في عالم السلع الاستهلاكية سريعة التداول (FMCG)، يُعد الارتباط العاطفي مع المستهلك الكأس المقدسة لأي علامة تجارية. في أسواقنا المحلية في المملكة العربية السعودية، نرى كيف تستثمر الشركات ملايين الريالات لبناء صورة ذهنية تربط منتجاتها بالدفء العائلي والمناسبات السعيدة. لكن ماذا يحدث عندما تصطدم هذه الصورة العاطفية بتهديد مباشر لسلامة المستهلك؟هذا هو التحدي الاستراتيجي الذي واجهته "نستله" عام 2015 عندما حظرت الهند — سوقها الأهم لهذا المنتج — بيع "ماجي" بعد اكتشاف مستويات زائدة من الرصاص ومادة جلوتامات أحادية الصوديوم (MSG) من قبل السلطات التنظيمية.

العصر الذهبي: هندسة "السعادة" كقيمة مقترحة
قبل اندلاع الأزمة، ركزت جميع الحملات الترويجية لعلامة "ماجي" باستمرار على إيصال شعور "السعادة". وقد اعتمدت الشركة على استراتيجيات تسويقية شديدة الذكاء لترسيخ هذا التموضع:

  • في عام 2009، أطلقت الشركة حملة "قصتي مع ماجي" (Me and Meri Maggi) احتفالاً بمرور 25 عاماً على تواجدها في السوق.
  • نجحت الحملة بشكل مذهل في جمع حوالي 30,000 الى 40,000 قصة من المستهلكين المخلصين، مما ألهم الشركة لإطلاق نكهات جديدة مستوحاة من قصصهم مثل "الكاري المثير" و"الطماطم المخادعة".
  • تطور هذا التموضع في عام 2012 عبر حملة "دقيقتين من السعادة"، والتي نقلت العلامة التجارية من مجرد وعد وظيفي (التحضير في دقيقتين) إلى وعد عاطفي عميق.

حتى عندما حاولت الشركة التطرق للجانب الصحي عبر إطلاق "نودلز الشوفان"، غلّفت ذلك بطابع ترفيهي من خلال حملة "الصحة ممتعة" (#HealthyIsEnjoyable)، مستعينة بنجوم السينما ومسابقات الصور الشخصية (السيلفي) على تويتر.

صدمة الواقع: انهيار العلامة التجارية
في أوائل يونيو 2015، تغير كل شيء؛ حيث صُنّف المنتج كخطر على صحة الإنسان بعد أن أظهرت العينات احتواءه على 17.2 جزء في المليون من الرصاص، أي نحو سبعة أضعاف الحد المسموح به (2.5 جزء في المليون).

ورغم إصرار الشركة المستمر على أن منتجها آمن، فإن التكلفة غير الملموسة كانت فادحة؛ إذ توقعت مؤسسة "براند فاينانس" انخفاض قيمة علامة "ماجي" التجارية بنحو 13 مليار روبية.

أدركت القيادة التنفيذية أن سحب مخزون بقيمة 2.1 مليار روبية كان قراراً حتمياً للحفاظ على ثقة المستهلك، كما صرحت الشركة بأن "ثقة المستهلكين وسلامة منتجاتنا هي أولويتنا الأولى".

التحول الحتمي: من الوعد العاطفي إلى الضمان الوظيفي
تطلبت الأزمة الأخيرة المتعلقة بالسلامة إجراء إصلاح شامل لاستراتيجية التواصل الخاصة بالقيمة (Value Communication Strategy) في محاولة لاستعادة المكانة السوقية. لم يعد التموضع القديم القائم على "السعادة" أو "الحنين للماضي" مجدياً أمام مخاوف المستهلكين وأولياء الأمور.

باتت "الصحة والسلامة" هي القيم الأساسية والوحيدة التي يجب إيصالها للعملاء. أصبح التحدي الإداري والتسويقي الجديد يتمحور حول سؤالين جوهريين: كيف ستقنع "نستله" أصحاب المصلحة بأن منتجها المُعاد إطلاقه آمن تماماً وصحي لجميع المستهلكين؟ وما هي نقاط القوة – بما في ذلك المصادر الإعلامية وتأييد المشاهير – التي يمكن سحبها لإعادة تموضع العلامة التجارية بفعالية؟.

أبعاد استراتيجية لمديري التسويق
تُظهر هذه الحالة لرواد الأعمال وصناع القرار في السوق السعودي، والذي يخضع لرقابة صارمة من جهات مثل الهيئة العامة للغذاء والدواء (SFDA)، أن "رأس مال العلامة التجارية" (Brand Equity) مهما كان ضخماً وعاطفياً، فإنه يظل هشاً إذا لم يُستند إلى جودة وسلامة لا تشوبها شائبة. في أوقات الأزمات الكبرى، يجب على الشركات التخلي فوراً عن التموضع العاطفي الناعم، والانتقال بشجاعة إلى رسائل تواصل شفافة، حازمة، ومبنية على الحقائق العلمية ومعايير السلامة، لأن المستهلك المذعور يبحث عن الأمان قبل السعادة.