في الأخبار الاقتصادية، تكثر الكلمات التي تبدو جميلة وحدها: تنويع مصادر الدخل، كفاءة الإنفاق، زيادة الإنتاجية. لكن قيمة هذه الكلمات لا تظهر إلا حين نسأل: ما الآلية؟ وكيف تنتقل من “تصميم سياسة” إلى “خدمة يشعر بها الناس”؟
الخبر هنا يتحدث عن الاستراتيجية الوطنية للتخصيص بوصفها جزءًا من التحول الاقتصادي المرتبط برؤية 2030.
ولتبسيط الصورة: التخصيص يعني أن الدولة لا تتخلى عن دورها، بل تعيد تعريفه. بدلاً من أن تكون “مشغّلًا لكل شيء”، تتحول أكثر إلى “منظم” يضع القواعد، ويراقب الأداء، ويحاسب على الجودة، بينما يُفتح المجال للقطاع الخاص ليشارك في التشغيل والتمويل والابتكار.
لماذا يُربط التخصيص بتنويع الدخل؟
تنويع الدخل لا يعني فقط إضافة رسوم أو إيرادات جديدة. معناه الأعمق هو: تقليل الاعتماد على مصدر واحد متقلب، وبناء اقتصاد يملك أكثر من محرك للنمو. هنا يصبح التخصيص أداة مساعدة لأنه قد يجذب استثمارات، ويخلق سلاسل توريد، ويزيد نشاط القطاع الخاص، ما يرفع “وزن الاقتصاد غير النفطي” في الناتج المحلي.
لكن هذه النتيجة ليست تلقائية. التخصيص لا يُنتج تنويعًا بحد ذاته إن كان مجرد تغيير في الاسم أو العقود؛ ما يصنع الفرق هو أن يُدار “التشغيل” بمعايير أداء واضحة، وأن تُصمم العقود بحيث تكافئ التحسين الحقيقي لا مجرد الامتثال الشكلي.
كفاءة الإنفاق: ماذا تعني دون تعقيد؟
“كفاءة الإنفاق” ببساطة تعني: كل ريال يُصرف يجب أن يحقق أثرًا أكبر—زمن خدمة أقل، جودة أعلى، أعطال أقل، أو طاقة تشغيل أدنى. كثير من القطاعات الحكومية تواجه تحديًا طبيعيًا: غياب الحافز التنافسي الذي يجبر المؤسسة على إعادة هندسة عملياتها باستمرار. هنا قد تأتي الشراكة مع القطاع الخاص—إذا صُممت صح—كمحرّك لإعادة بناء العمليات: رقمنة، صيانة استباقية، إدارة مخزون أفضل، أو قياس أداء أدق.
ولهذا يكثر الحديث عن “تعظيم العائد”: أي ألا نكتفي بأن يُنفَّذ المشروع، بل أن يعمل بكفاءة طوال عمره التشغيلي.
الإنتاجية والبطالة المقنعة: الجانب الذي لا يُقال بصوت عالٍ
حين يُذكر أن التخصيص يقلل “البطالة المقنعة”، فالمقصود ليس اتهام أفراد، بل توصيف خلل إداري: وظائف موجودة لكن الأثر الفعلي أقل من حجم الموارد البشرية بسبب تكرار الأدوار أو ضعف القياس أو غياب التدريب. أما “البطالة الهيكلية” فهي نوع آخر: وظائف موجودة في السوق لكن المهارات المطلوبة لا تتطابق مع ما لدى الباحثين عن عمل.
التخصيص—إذا صاحبه تدريب وإعادة تأهيل—قد يدفع المؤسسات لتحديد المهارات بدقة، وبناء مسارات مهنية، وربط الأجور بالأداء، وهو ما يرفع الإنتاجية. لكن إن لم تُدار هذه النقطة بحس اجتماعي وتنظيمي، قد يتحول الضغط إلى “تكلفة بشرية” تُضعف القبول العام لأي إصلاح.
“الأرقام الصغيرة جدًا” التي تكشف اتجاهًا لا تفاصيل
المثير في الاستراتيجية ليس كثرة المشاريع، بل طبيعة ما تستهدفه: بنى تحتية وخدمات تشغيلية كبيرة. مثالًا: الحديث عن تنفيذ 13 خزناً استراتيجيًا بسعة إجمالية تقارب 43 مليون متر مكعب يشير إلى عقلية “الأمن التشغيلي” لا مجرد البناء. وكذلك تطوير مطار أبها بطاقة تصل إلى 10 ملايين مسافر سنويًا بنهاية 2027 يعكس رهانًا على نمو الحركة الاقتصادية واللوجستية في المناطق.
هذه الأرقام لا تهم بذاتها؛ تهم لأنها تقول: التخصيص هنا يُستخدم كأداة لتسريع التنفيذ وتحسين التشغيل، بشرط أن تبقى الحوكمة صارمة.
كيف نقرأ التخصيص؟
اقرأه بخمس أسئلة قبل أن تصدق الوعود أو تخاف منها:
- ما النموذج؟ تشغيل؟ شراكة بين العام والخاص؟ تأجير طويل؟ أم بيع جزئي؟
- كيف ستُقاس الجودة؟ مؤشرات واضحة: زمن الخدمة، الأعطال، رضا المستفيد، سلامة التشغيل.
- من يتحمل المخاطر؟ التمويل؟ الطلب؟ التشغيل؟ إن بقيت كلها على الدولة، فالأثر محدود.
- هل يوجد تنظيم وحوكمة قوية؟ لأن السوق بلا قواعد قد يرفع الأسعار ويضعف الجودة.
- ماذا عن البشر؟ خطط التدريب والتحول الوظيفي هي ما يحوّل الإصلاح إلى قصة نجاح لا صدمة.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!