تُظهر أرباح البنوك ما حققته من دخل بعد خصم مصروفاتها، لكن قراءة الربح وحده لا تكفي لفهم جودة الأداء. فخلف أرقام الأرباح يوجد بند يكشف جانبًا من المخاطر التي تتحملها البنوك عند تمويل الأفراد والشركات: مخصصات خسائر الائتمان المتوقعة.

ماذا تقول نتائج الربع الثالث؟

أظهرت النتائج الأولية لمصرف الراجحي ارتفاع أرباحه خلال الربع الثالث من 2026 بنسبة 11.7% إلى 7.11 مليار ريال. وفي الفترة نفسها، ارتفع صافي مخصص خسائر الائتمان المتوقعة والخسائر الأخرى بنسبة 49.5%، من 570 مليون ريال إلى 852 مليون ريال.

أما مصرف الإنماء، فتراجع ربحه الفصلي بنسبة طفيفة بلغت 0.2% إلى نحو 1.59 مليار ريال، بالتزامن مع ارتفاع صافي المخصص بنسبة 56% إلى 400 مليون ريال.

تقدم النتيجتان صورتين مختلفتين: مصرف استطاع زيادة أرباحه رغم ارتفاع المخصصات، وآخر ضغطت المخصصات على أرباحه رغم نمو دخله من التمويل والاستثمار.

كيف يربح البنك أصلًا؟

يعتمد النشاط المصرفي على توظيف الأموال في التمويل والاستثمار. ويأتي جزء أساسي من دخل البنك من الفرق بين العوائد التي يحصل عليها من هذه الأنشطة وتكلفة الأموال التي يستخدمها لتمويلها، بما فيها تكلفة الودائع.

ويحقق البنك إيرادات إضافية من رسوم الخدمات المصرفية وغيرها من الأنشطة، ثم يخصم تكاليف التشغيل ومخصصات الخسائر والزكاة والضرائب للوصول إلى صافي الربح.

لكن التمويل الذي يحقق للبنك دخلًا يحمل أيضًا احتمال ألا يسدد العميل كامل التزاماته. وهنا تظهر تكلفة المخاطر الائتمانية.

ما مخصصات خسائر الائتمان؟

هي مبالغ يسجلها البنك محاسبيًا مقابل الخسائر التي يتوقع احتمال تعرضه لها بسبب عدم سداد العملاء التزاماتهم.

والمخصص ليس بالضرورة خسارة حدثت بالفعل، ولا مبلغًا نقديًا يعزله البنك في حساب مستقل. إنه تقدير محاسبي يؤثر في الأرباح ويعكس الخسارة المحتملة في قيمة الأصول المالية.

ويستند هذا التقدير إلى احتمال تعثر العميل، وحجم التمويل المعرض للخطر، وما يتوقع البنك استرداده عند التعثر، مع مراعاة الظروف الاقتصادية المستقبلية.

فمثلًا، إذا بلغت محفظة تمويل 100 مليون ريال، وكان احتمال التعثر المفترض 2%، ونسبة الخسارة المتوقعة عند التعثر 40%، فإن الخسارة الائتمانية المتوقعة في هذا المثال المبسط تبلغ 800 ألف ريال.

ومنذ تطبيق المعيار الدولي للتقرير المالي التاسع (IFRS 9)، لا تنتظر البنوك وقوع التعثر لتسجيل الخسائر المتوقعة؛ بل تعترف بها منذ تقديم التمويل، وتعيد تقديرها مع تغير المخاطر.

هل ارتفاع المخصصات يعني ارتفاع التعثر؟

ليس بالضرورة.

فقد ترتفع المخصصات نتيجة التوسع في الإقراض، حتى مع انتظام العملاء في السداد. وقد ترتفع لأن البنك أصبح يتوقع مخاطر اقتصادية أكبر، أو لأن بعض العملاء أصبحوا أكثر عرضة للتعثر.

وفي نتائج الربع الثالث، أرجع مصرف الراجحي ارتفاع صافي مخصصاته إلى زيادة الإضافات للمخصصات وانخفاض المبالغ المستردة من تمويلات سبق شطبها. بينما ربط مصرف الإنماء زيادة المخصصات بصورة رئيسية بنمو محفظة التمويل والاستثمار.

ولهذا يصنف المعيار IFRS 9 التمويلات في ثلاث مراحل: تمويلات لم ترتفع مخاطرها بصورة جوهرية، وتمويلات ارتفعت مخاطرها دون أن تصبح متعثرة، وتمويلات انخفضت قيمتها ائتمانيًا. ويختلف مقدار الخسارة المتوقع الاعتراف بها بحسب المرحلة.

كيف نقرأ الأرباح والمخصصات معًا؟

لا تكفي مقارنة المخصصات بين بنكين مختلفين؛ لأن حجم محافظ التمويل وتركيبتها ودرجة المخاطر فيها قد تختلف.

وتصبح القراءة أدق عند النظر إلى ثلاثة مؤشرات مترابطة:

  • تكلفة المخاطر الائتمانية: مقدار مصروف الخسائر الائتمانية قياسًا إلى متوسط حجم محفظة التمويل، مع توحيد الفترة الزمنية.
  • نسبة التمويلات المتعثرة: حصة التمويلات غير المنتظمة في السداد وفق تعريف التعثر من إجمالي التمويلات.
  • نسبة تغطية التعثر: مقدار المخصصات المتاحة لتغطية التمويلات المتعثرة مقارنة بحجم تلك التمويلات.

توضح هذه المؤشرات ما إذا كانت المخصصات تنمو مع توسع النشاط المصرفي، أم نتيجة تراجع جودة المحفظة الائتمانية.

ويمكنني القول إن نمو أرباح البنك يوضح قدرته على تحقيق العائد، بينما تساعد المخصصات ومؤشرات جودة الائتمان على فهم المخاطر التي يتحملها لتحقيق ذلك العائد.

فالسؤال ليس كم ربح البنك فقط، بل كيف حقق هذا الربح، وما حجم المخاطر التي رافقته؟