عندما تبدأ دولة بتصنيع منتج كانت تستورده سابقًا، فإن الفائدة الأولى تبدو واضحة: جزء أكبر من الإنفاق يبقى داخل الاقتصاد المحلي.
لكن التوطين الصناعي الحقيقي يبدأ بعد ذلك.
فالمصنع الجديد يحتاج إلى موظفين وموردين وخدمات هندسية ونقل وصيانة وتقنيات وتمويل، وقد تنشأ حوله شركات أخرى تخدمه أو تستخدم منتجاته.
وهنا يتحول المشروع من مصنع واحد إلى سلسلة قيمة كاملة.
هذه الفكرة تساعد على فهم برنامج «نماءات أرامكو»، الذي أطلق رسميًا في 2021 بهدف دعم شراكات الاستثمار الصناعي وتنمية قدرات محلية جديدة. وتوضح أرامكو أن البرنامج يستفيد من خبراتها في الهندسة والمشتريات وسلاسل الإمداد والتحول الرقمي وإدارة المشاريع لمساعدة الشركات المحلية والدولية على تطوير أعمالها داخل المملكة.
ماذا يعني التوطين اقتصاديًا؟
أبسط صورة للتوطين هي إنتاج سلعة محليًا بدل شرائها من الخارج. لكن اقتصاديًا هناك مستويات أعمق.
إذا أُنشئ مصنع داخل المملكة لكنه يستورد جميع مكوناته وتقنياته ويعتمد على خدمات خارجية بالكامل، فإن القيمة التي تبقى في الاقتصاد المحلي تظل محدودة نسبيًا.
أما إذا بدأت الشركات المحلية بتصنيع المكونات، وتقديم الخدمات، وتوظيف الكفاءات، ونقل المعرفة، فإن القيمة المحلية المضافة ترتفع.
وهنا يصبح السؤال ليس: كم منتجًا صنعنا محليًا؟
بل:
كم جزءًا من القيمة الاقتصادية لهذا المنتج أصبح يُنتج داخل الاقتصاد؟
كيف يتحول عميل كبير إلى محفز صناعي؟
إحدى المزايا التي تملكها الشركات الكبرى مثل أرامكو هي حجم الطلب.
فإنشاء مصنع لمنتج متخصص قد يكون مخاطرة مرتفعة إذا لم يعرف المستثمر من سيشتري إنتاجه.
لكن عندما توجد شركة كبيرة تحتاج إلى هذه المنتجات لسنوات طويلة، تصبح هناك رؤية أوضح للطلب المستقبلي.
وهذا يخفض جزءًا من مخاطر الاستثمار، وقد يشجع شركات عالمية على إنشاء مصانع أو شراكات محلية بدل الاكتفاء بتصدير منتجاتها إلى المملكة.
وتشير أرامكو إلى أن «نماءات» يوفر للشركاء فرصًا للمشاركة في استراتيجية نموها طويلة المدى وسلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة والكيميائيات.
لماذا لا تتوقف الفائدة عند المصنع؟
لنفترض إنشاء مصنع للكابلات الصناعية.
المشروع يحتاج إلى مواد أولية، ومعدات، ومهندسين، وخدمات نقل، وصيانة، وبرمجيات، وتأمين، وتمويل.
كل ريال يُنفق داخل المصنع قد يولّد طلبًا في منشآت أخرى. وهذا ما يعرف بصورة مبسطة بـ الأثر المضاعف للاستثمار.
فالاستثمار لا يضيف قيمة من نشاطه المباشر فقط، بل من النشاط الاقتصادي الذي ينشأ حوله.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، استقطب برنامج نماءات استثمارات تقارب 216 مليار ريال منذ إطلاقه، وأسهم في تأسيس 58 شركة جديدة، فيما قُدّر إسهامه في الناتج المحلي بنحو 103 مليارات ريال.
القيمة هنا ليست في حجم الاستثمار وحده، بل في نوع القدرة الإنتاجية التي يبنيها.
التوطين أيضًا وسيلة لتقليل المخاطر
هناك جانب آخر لا يظهر مباشرة في الناتج المحلي: مرونة سلسلة الإمداد.
إذا كانت صناعة ما تعتمد بالكامل على مورد خارجي واحد، فإن أي اضطراب في الشحن أو التجارة أو الإنتاج العالمي يمكن أن يؤثر فيها.
أما وجود مصنع وموردين محليين، فيمنح الشركات بدائل أقرب وقدرة أكبر على التعامل مع الاضطرابات.
ولهذا ربطت أرامكو منذ إطلاق «نماءات» بين الاستثمار الصناعي وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد والتوطين.
لكن الهدف ليس تصنيع كل شيء محليًا مهما كانت التكلفة.
التوطين الأكثر فاعلية هو الذي يركز على المجالات التي يمكن أن تطور فيها الدولة ميزة تنافسية حقيقية وتصبح المنتجات المحلية قادرة لاحقًا على خدمة عملاء خارج السوق المحلي أيضًا.
من استبدال الواردات إلى بناء صناعة
المرحلة الأولى من التوطين قد تبدأ بسؤال: ما المنتجات التي نستوردها ويمكن تصنيعها هنا؟
لكن المرحلة الأهم تأتي عندما يصبح السؤال: هل يمكن للشركة المحلية أن تنافس وتبتكر وتصدر؟
عندها ينتقل التوطين من مجرد تقليل الاعتماد على الواردات إلى خلق قطاع اقتصادي جديد.
وهذا هو الرابط بين التوطين والتنويع الاقتصادي.
فالاقتصاد لا يتنوع بمجرد زيادة عدد المصانع، بل عندما تتحول هذه المصانع إلى قدرات إنتاجية وتقنية وسلاسل إمداد قادرة على الاستمرار والنمو دون الاعتماد على عميل واحد أو فرصة مؤقتة.
ومن هنا تصبح قيمة برامج مثل «نماءات» أكبر من مجموع الاستثمارات المعلنة؛ لأن الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الاستثمارات ستنتج شركات وقدرات صناعية تستطيع الوقوف والمنافسة لسنوات قادمة.
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!