قد لا يستخدم متجر الملابس كميات كبيرة من الوقود في نشاطه اليومي، ومع ذلك يمكن لارتفاع سعر الديزل أن يجعل الملابس التي يبيعها أغلى.

وقد لا يكون الوقود مكونًا مباشرًا في الطعام الموجود في السوبرماركت، لكنه يدخل في زراعته ونقله وتخزينه.

هذه هي إحدى الطرق التي تنتشر بها صدمة الطاقة داخل الاقتصاد.

وفي سبتمبر 2026 ظهرت هذه الآلية بوضوح في الولايات المتحدة، بعدما ارتفع مؤشر أسعار المنتجين بنسبة 6.3% على أساس سنوي، وهي أعلى قراءة منذ ديسمبر 2022. وعلى أساس شهري قفز المؤشر 1.3%، مقابل 0.5% في أغسطس.

ما هو تضخم المنتجين؟

مؤشر أسعار المنتجين أو PPI يقيس التغير في الأسعار التي يحصل عليها المنتجون المحليون مقابل السلع والخدمات التي يبيعونها.

ولهذا يُستخدم لفهم الضغوط السعرية التي تحدث داخل مراحل الإنتاج.

وهو يختلف عن مؤشر أسعار المستهلك، الذي يقيس الأسعار التي يدفعها الأفراد في النهاية.

لكن العلاقة بين الاثنين مهمة.

إذا أصبحت المواد الخام والنقل والطاقة أكثر تكلفة على الشركات، فقد تحاول هذه الشركات تمرير جزء من الزيادة إلى عملائها.

وهكذا يمكن أن تبدأ الضغوط في جانب المنتج، ثم تنتقل تدريجيًا عبر سلسلة الإمداد.

لكن الانتقال ليس آليًا أو كاملًا؛ فقد تتحمل الشركة جزءًا من التكلفة من أرباحها إذا كانت المنافسة تمنعها من رفع الأسعار.

لماذا الوقود مؤثر إلى هذه الدرجة؟

لأن الطاقة ليست منتجًا يستهلكه الأفراد فقط، بل مدخل إنتاج يدخل في قطاعات كثيرة.

الشاحنات تحتاج إلى الديزل لنقل المواد الخام إلى المصانع والمنتجات إلى المتاجر.

المزارع تستخدم الوقود في المعدات والآلات.

شركات الطيران والنقل تعتمد على الطاقة مباشرة.

والمصانع تحتاج إلى الكهرباء والوقود في عملياتها.

وفي سبتمبر ارتفعت أسعار سلع الطاقة في مؤشر المنتجين 10.8% خلال شهر واحد، وشكّلت أكثر من 80% من الارتفاع في أسعار سلع الطلب النهائي، بحسب مكتب إحصاءات العمل. كما ظهرت أسعار الديزل والبنزين ونقل البضائع بالشاحنات بين البنود التي رفعت تكاليف عدة مراحل من الإنتاج.

كيف تنتقل الزيادة؟

لنفترض أن مصنعًا يدفع 100 ألف ريال شهريًا لنقل منتجاته.

إذا ارتفعت فاتورة النقل إلى 120 ألفًا، أمامه عدة خيارات.

قد يتحمل الزيادة وتنخفض أرباحه، أو يحاول خفض تكاليف أخرى، أو يرفع سعر المنتج النهائي.

لكن شركة النقل نفسها تواجه أيضًا تكلفة وقود أعلى، والمورد الذي ينقل المواد إلى المصنع يواجه المشكلة ذاتها.

لذلك قد تتراكم الزيادة عبر عدة مراحل.

وهنا نفهم لماذا يمكن لارتفاع الطاقة أن يظهر لاحقًا في أسعار الأثاث أو الغذاء أو الأجهزة حتى لو لم يكن الوقود جزءًا واضحًا من المنتج.

لماذا ترتفع أسعار الغذاء أيضًا؟

الغذاء مثال جيد على هذا الانتقال.

فالمنتج الزراعي يحتاج إلى معدات تعمل بالوقود، ثم يُنقل إلى منشآت المعالجة أو التخزين، وبعدها إلى مراكز التوزيع والمتاجر.

ولهذا تستطيع زيادة واحدة في تكلفة الطاقة أن تظهر في أكثر من مرحلة.

وفي سبتمبر ارتفعت أسعار الغذاء لدى المنتجين 1.2% خلال شهر واحد، في الوقت نفسه الذي شهدت فيه أسعار الطاقة قفزة كبيرة.

هذا لا يعني أن كل ارتفاع في الغذاء سببه الوقود، لكنه يوضح كيف تستطيع الطاقة إضافة ضغط إلى سلسلة واسعة من التكاليف.

لماذا يهتم البنك المركزي؟

المشكلة ليست في ارتفاع الوقود مؤقتًا فقط.

السؤال الأهم هو ما إذا كانت الزيادة ستنتشر إلى أسعار أخرى وتستمر.

إذا رفعت الشركات أسعارها لتعويض النقل، ثم طالب العاملون بأجور أعلى لتعويض غلاء المعيشة، ثم ارتفعت تكاليف الشركات مرة أخرى، يصبح التضخم أكثر انتشارًا وأصعب في التراجع.

ولهذا ينظر الاقتصاديون إلى ما يسمى التضخم الأساسي أيضًا.

وفي سبتمبر ارتفع مؤشر أسعار المنتجين باستثناء الغذاء والطاقة وخدمات التجارة بنسبة 5% مقارنة بالعام السابق، ما يشير إلى أن الضغوط لم تكن محصورة بالكامل في الوقود.

الطاقة لا تبقى في محطة الوقود

أهم ما توضحه بيانات التضخم هو أن سعر الطاقة لا يتعلق فقط بما يدفعه السائق عند تعبئة سيارته.

فالاقتصاد شبكة مترابطة من الإنتاج والشحن والتخزين والبيع.

وعندما ترتفع تكلفة عنصر تستخدمه معظم أجزاء هذه الشبكة، يمكن أن تنتقل الصدمة من شركة إلى أخرى حتى تصل في النهاية إلى المستهلك.

ولهذا فإن السؤال بعد ارتفاع أسعار النفط أو الديزل ليس فقط:

كم أصبح سعر الوقود؟

بل:

كم جزءًا من الاقتصاد سيحاول تمرير هذه التكلفة إلى المرحلة التالية؟

فهناك يبدأ الفرق بين ارتفاع مؤقت في الطاقة وبين موجة تضخم أوسع.