تخيل أنك قضيت حياتك بأكملها، بل وحياة أجيال سبقتك، في دراسة مشروع حيوي يمتد لسبعين عاماً، ثم تستيقظ يوماً على قرار بإغلاق مختبرك بحجة "ترشيد النفقات". هذا هو الكابوس الذي يعيشه اليوم علماء وكالة خدمة الغابات الأمريكية (US Forest Service)، وهي أكبر مؤسسة لأبحاث الغابات في العالم.
في مواجهة خطة جذرية لإعادة الهيكلة تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تجد الوكالة نفسها أمام خيار مرير: إغلاق نحو ثلاثة أرباع مواقعها البحثية. القرار الذي وُصف بأنه "صدمة مدمرة" للعلماء، يفتح باباً واسعاً للنقاش الاقتصادي والعلمي حول التكلفة الحقيقية للتخلي عن المعرفة من أجل توفير المال.
جذور الأزمة: صراع الميزانية مقابل العلم
بدأت القصة عندما اقترحت إدارة ترامب ميزانية لعام 2026 لا تخصص "أي تمويل على الإطلاق" (صفر دولار) لفرع البحث والتطوير في الوكالة. تدخل الكونغرس – الذي يملك الكلمة العليا في الإنفاق – وأنقذ الموقف جزئياً بتخصيص 309 ملايين دولار. لكن الإدارة عادت مؤخراً باقتراح جديد لعام 2027، يُلغي التمويل مرة أخرى، بانتظار رد الكونغرس.
وفي 31 مارس الماضي، أعلنت الوكالة صراحة نيتها إغلاق 57 موقعاً بحثياً من أصل 77 موقعاً تمتلكها، تتنوع ما بين منازل ريفية بسيطة إلى مجمعات ضخمة من المختبرات والبيوت الزجاجية. ورغم أن الوكالة تراجعت خطوة للوراء بعد احتجاجات برلمانية وأعلنت أنها "ستعيد تقييم" مستقبل هذه المواقع خلال العام المقبل، إلا أن حالة عدم اليقين لا تزال تسيطر على المشهد.
المبرر الاقتصادي: فاتورة صيانة مؤجلة بـ 3 مليارات دولار
من منظور اقتصادي وإداري بحت، تمتلك الوكالة حججاً تبدو منطقية. رئيس الوكالة، توم شولتز، أوضح للكونغرس أن الوكالة تعاني من "أعمال صيانة متأخرة" عبر كل مرافقها تصل تكلفتها إلى 3 مليارات دولار.
تقول الإدارة إن العديد من هذه المواقع البحثية تعمل بنسبة إشغال منخفضة جداً، وتؤكد في بيان رسمي أن "إغلاق المرافق لن يوقف الأبحاث"، وأنها ستقوم ببساطة بنقل الموظفين والبرامج إلى أماكن أخرى.
هناك أصوات علمية تؤيد هذا التوجه المالي، حيث ترى شارون فريدمان، وهي عالمة وراثة متقاعدة من الوكالة، أن "تقليص النفقات العامة والتكاليف التشغيلية (Overhead) يعتبر أمراً إيجابياً بشكل عام".
التكلفة الخفية: أبحاث لا يمكن تعليبها ونقلها
على الجانب الآخر، يرى الخبراء وعلماء الاقتصاد البيئي أن تبريرات الإدارة تتجاهل "طبيعة المنتج" الذي تقدمه هذه المختبرات. فرع البحث والتطوير في الوكالة يضم 1000 موظف، ويمتلك سجلاً ذهبياً يتضمن تحديد نوع الفطريات المسببة لمتلازمة الأنف الأبيض القاتلة للخفافيش، وابتكار نماذج ذكية لمحاكاة حرائق الغابات، تُستخدم اليوم في دول عديدة حول العالم لتفادي كوارث بمليارات الدولارات.
المشكلة الجوهرية تكمن في أن أبحاث الغابات "مرتبطة بالمكان" (Place-based). الكثير من هذه المواقع، المعروفة بـ "الغابات التجريبية"، تحتضن دراسات مستمرة منذ أكثر من 100 عام.
يقول أحد العلماء المتقاعدين بمرارة: "هذه الأماكن لا يمكن تعويضها. لا يمكنك ببساطة أن تقول: حسناً، لقد فقدت هذا المختبر، سأذهب لتأسيس دراسة جديدة مدتها 70 عاماً في مكان آخر". إغلاق موقع نائي يعني فقدان القدرة على تبريد العينات الحيوانية في وقتها، وفقدان بيانات تراكمية لا تقدر بثمن. كما توضح الخبيرة آن بارتوسكا، التي قادت فرع الأبحاث لسبع سنوات: "إذا أغلقت الموقع، فسيجف نبع البحث العلمي هناك تماماً".
نزيف العقول: التأثير الأعمق من الميزانية
أحد أخطر التداعيات التي ترصدها الأوساط الأكاديمية هو "هروب الكفاءات". حالة الضبابية والخوف من إعادة التكليف الوظيفي قد تدفع العلماء المتميزين لمغادرة الوكالة نهائياً. الجدير بالذكر أن الوكالة فقدت بالفعل مئات الموظفين من فرع الأبحاث خلال الـ 18 شهراً الماضية وتم تقليص حجم عملها العلمي.
يصف ألكسندر فريند، النائب السابق لرئيس قسم الأبحاث، حجة الصيانة المتأخرة بأنها "مجرد قطرة في بحر" مقارنة بخسارة العلم، مشككاً في أن تكون التكلفة هي الدافع الحقيقي.
نظرة قصيرة الأمد؟
تلخص فيكي كريستيانسن، التي ترأست الوكالة خلال ولاية ترامب الأولى، المشهد بعبارة وازنة تليق بقواعد السياسة الاقتصادية الرشيدة، وتقول إن خطة إعادة الهيكلة الحالية "قصيرة النظر للغاية". وتضيف: "إذا كانت الحكومات بحاجة إلى تقليص النفقات، فلتفعل ذلك. لكن يجب أن يتم ذلك بطريقة مدروسة تحافظ على الأجزاء الأساسية من الإرث الذي جمعته الأجيال السابقة".
في النهاية، قد تنجح الحكومة الأمريكية في توفير بضعة ملايين من الدولارات في ميزانيتها القادمة عبر إغلاق هذه المراكز، لكن التكلفة الحقيقية ستدفعها البشرية من رصيد معرفتها البيئية، ومن قدرتها على فهم وإدارة طبيعة كوكب الأرض ومواجهة كوارثه المستقبلية.
التعليقات (7)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!