هل تعلم أن مستقبلك المهني قد يُحسم قبل أن تفتح فمك؟ و هل تعلم ان جل الصفقات تحسم قبل الكلام ؟ و ان الابتسامة و تعبيرات وجهك يمكن ان يكونا محركا لزيادة مبيعاتك ؟ و هل تعلم ان رسائلك الصامتة اقوى تاثيرا من كلماتك ؟ و ان الاستماع هو بالعيون اكثر منه بالاذان ؟
1. حسم الصفقات قبل الكلام: (قاعدة السبع ثواني)
في عالم الأعمال، الكلمات هي مجرد "تغليف" للرسالة، أما الرسالة الحقيقية فتكتبها عيناك،نبرة صوتك , تعبيرات وجهك، وحتى طريقة مشيتك. و اذا اردت كرجل اعمال او موظف او قيادي ان تترك انطباعا اوليا لا ينسى فاعلم ان من حولك يحكمون عليك من خلال الانطباع الاول الذي يتشكل في العقل البشري في 7 ثوانٍ فقط و دون ان تنطق بكلمة واحدة . في هذه الثواني، سيحكم شريكك أو عميلك بدون وعي عن مدى جدارتك بثقته و مدى كفاءتك و هل يمكن التعويل عليك ام لا و هذا من خلال وقفتك وتعبيرات وجهك و مصافحتك , لا من خلال ذكائك و كلماتك. و الاهم من هذا ان هذا الانطباع صعب التغيير حيث يركز الدماغ فقط على تاكيده من خلال فلترة دماغية تتجاهل الادلة التي تعارضه فيما يسمى بالانحياز التاكيدي . فإذا نجحت في اختبار السبع ثوانٍ، سيصدق عقل المستقبل كل ما ستقوله لاحقاً و سيكون لك سحر خاص في الاقناع .
2. لغة الجسد هي "أصل رأسمالي"؟
في عالم الصفقات ، لم تعد الكلمات تكفي للاقناع و لم يعد النجاح يعتمد فقط على ما تعرفه، بل على "كيف تبدو وأنت تقوله" , إذا قلت لعميلك "هدفنا الاساسي ارضاؤك" وأنت تنظر إلى هاتفك أو تشبك ذراعيك،او قلت له "نحن واثقون من جودة منتجنا " بينما تحك انفك او تهز قدميك بتوتر , فإن دماغه سيكذب كلماتك ويصدق جسدك فوراً. فعقولنا مبرمجة بيولوجياً على تصديق الحركة وتكذيب الكلمة عند التعارض , و هذه حقيقة علمية اكدتها قاعدة الـ 93% للدكتور ألبرت مهرابيان و التي توضح أن 93% من الحكم على مصداقيتك مبني على لغتك غير اللفظية و ان 7% فقط مبني على الكلمات . و هنا تصبح لغة الجسد المفاوض الخفي و أصلا غير ملموس (Intangible Asset) باعتباره محددا لقيمتك السوقية ونزاهتك في أعين الشركاء. لذا في مفاوضاتك القادمة , اعتمد وقفة القوة , و مصافحة الندية و فن المحاكاة و سترى كيف ترتفع قدرتك على الاقناع .
3. الابتسامة كمحرك مبيعات: (تأثير المرآة)
تؤكد الحكمة الصينية القديمة ان : "الرجل الذي لا يعرف كيف يبتسم، لا ينبغي له أن يفتح متجراً". كما اشارت الدراسات الحديثة ان الباعة الذين يبتسمون بصدق يحققون مبيعات أعلى بنسبة 9%، وترفع الابتسامة إنتاجية الموظفين بنسبة 12% .
لماذا تزيد الابتسامة المبيعات؟ السر يكمن في "الأعصاب المرآتية" (Mirror Neurons) في دماغ العميل. عندما تبتسم بصدق، يقلد دماغ العميل هذه المشاعر لا شعورياً، فيشعر بالراحة والارتباط بك، ومن المعروف أن الناس يميلون للشراء ممن "يرتاحون" لهم، لا ممن يقدمون "أرخص الأسعار" فقط.
4. مختبر الثقة: كيف تخدع دماغك لتصبح قائداً؟
الدكتورة أمي كودي (Amy Cuddy) من جامعة هارفارد، افادت ان لغة الجسد تؤثرعلى كيمياء الجسد, واثبتت التجربة أن وضعية جسدك لمدة دقيقتين فقط قادرة على إحداث تغيير جذري في كيمياء الدماغ وأدائك المهني فمثلا وقفات القوة (High-Power Poses): مثل الوقوف بانتصاب وفتح الكتفين ترفع هرمون التستوستيرون (هرمون الثقة) بنسبة 20% وتخفض الكورتيزول (هرمون التوتر) بنسبة 25%،مما يجعلك أكثر جرأة في اتخاذ القرارات المالية. في المقابل اشارت الدراسة الى ان وقفات الضعف (Low-Power Poses): مثل الانكماش وضم اليدين تؤدي إلى ارتفاع هرمون التوتر، مما يجعلك الطرف الأضعف في المفاوضات ويقلل من قدرتك على الإقناع.
5. دستور "لقمان الحكيم": الهوية البصرية للقيادة
و الجدير بالذكر ان لغة الجسد هي بعد من ابعاد الحكمة في القران حيث وردت لغة الجسد في اكثر من سياق , ابرزها دستور
لغة الجسد في سورة لقمان حيث رسم الحكيم لقمان لابنه "هوية بصرية" متكاملة تسبق عصرنا بقرون، و حدد معالم وقار
الشخصية وذكاءها الاجتماعي في آيات محكمات:ابرزها إدارة تعابير الوجه: في قوله تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) (لقمان:
18)، و هنا نجد تحذيراً من إمالة الخد تكبراً، وهو ما يفسره خبراء التواصل المعاصرون بأنه سلوك يكسر جسور الثقة ويُنفّر الشركاء والمستثمرين.
كما اشارت سورة لقمان الى اهمية لغة الجسد لعكس كاريزما الحركة و الرزانة القيادية, حيث يوجهنا القرآن لضبط سرعة وهيئة المشي:في قوله جل و على : (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) و (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) (لقمان:18-19) و هذا "القصد" يعكس الاستقرار النفسي والرزانة القيادية؛ فلا بطء يوحي بالخمول، ولا سرعة توحي بالارتباك.
كما اشارت السورة الى اهمية نبرة الصوت و هي جزء من لغة الجسد , و دورها في الاقناع من خلال قوله تعالى : (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ)) (لقمان:19) فالثقة لا تحتاج للصراخ، بل لقوة الحجة المنبعثة من الهدوء والاتزان.
حيث كان النبي محمد ﷺ أتم الناس لغة جسد؛ ففي وصف الترمذي لشمائله، كان ﷺ إذا التفت، التفت معاً (بكامل جسده)، مما يعطي قيمة قصوى للمخاطب. هذا "الإقبال الكلي" والتبسم الدائم هما ما تصفه الشاعرة مايا أنجيلو بقولها: "قد ينسى الناس ما قلته، لكنهم لن ينسوا أبداً كيف جعلتهم يشعرون". لقد كان تواصله البصري يمنح كل جليس شعوراً بأنه الأهم، وهو قمة الذكاء القيادي.
ختاما لغة الجسد يمكن ان تجعلك تقنع و تجذب و تحقق اهدافك الربحية , لذا لا تتجاهل اهمية الاستماع البصري حيث تستمع من خلال تركيز انتباهك و عيونك على الطرف الاخر , مما يحفز الطلب الاخر و يمكنك من كسب ثقته , و تجنب قتلة الكاريزما و ابرزها كل الحركات التي توضح عدم اهتمامك و احترامك للطرف الاخر مثل النظر الى الساعة او العبث بالقلم فهي رسائل صامتة تعكس عدم الاستماع و تعطي ردود فعل عكسية من الطرف الاخر, و لا تنسى متباعتنا لكثير ممن التفاصيل حول هذا الموضوع .
د.يسرى الميساوي
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!