في السنوات الأخيرة، صار المشهد مألوفًا في كثير من المؤسسات: موظفون منفصلون ذهنيًا عن العمل رغم انشغالهم، مديرون مثقلون بقرارات لا تنتهي، وقيادات عليا تشتكي من فرق “تملك مساحة حركة” لكنها تتردد أمام الخيارات الجريئة. المفارقة أن هذا يحدث في زمن وفرة الأدوات—من منصات الاجتماعات إلى التحليلات والذكاء الاصطناعي—وكأن التقنية تُسرّع القنوات، لكنها لا تضمن جودة المحتوى الذي يمر فيها. هذا بالضبط ما حاولت كيت نيدرهـوفر (كبيرة العلماء ورئيسة المختبرات في BetterUp) تثبيته بالأرقام في مقالها المنشور لدى المنتدى الاقتصادي العالمي في 4 فبراير 2026: تراجع “المهارات الإنسانية” في سوق العمل لم يكن عابرًا بعد 2020، بل هبوطًا حادًا بين 2019 و2021 لم يعد إلى ما قبل الجائحة حتى بعد قرابة خمس سنوات.
ما المقصود بـ“المهارات الإنسانية” هنا؟ ليست “لطافة” أو “مهارات تواصل” بالمعنى السطحي، بل قدرات تشغيلية ترفع قيمة العمل حين يصبح معقدًا: الإبداع وحل المشكلات، الفضول والتعلّم مدى الحياة، المرونة والرشاقة، والتأثير الاجتماعي والقيادة. هذه مهارات تُظهر نفسها عندما تنقطع التعليمات الجاهزة: مشكلة جديدة، عميل متطلب، مشروع يتأخر، أو تقنية تُدخل طريقة عمل مختلفة.
الأهم اقتصاديًا أن التراجع ليس “خطابًا تحفيزيًا”، بل له تكلفة أداء مباشرة. BetterUp تقول إنها تابعت اتجاهات هذه المهارات وأداء العمل لدى أكثر من 351 ألف شخص بين 2019 و2025. النتيجة: تراجعات في “فعالية العمل” عبر أبعاد متعددة وصلت في بعض الجوانب إلى نحو 6%. ولتقريب الصورة: لو قُيّم موظفو اليوم بمعايير أداء 2019، فإن قرابة 75% سيقعون في “شريحة أداء أدنى” مقارنة بموقعهم الحالي، أي أن معيار المقارنة نفسه تغيّر لأن القدرة الإجمالية تآكلت.
لماذا حدث هذا؟
النص لا يختزل السبب في عامل واحد؛ بل يصف ضغطًا مركّبًا: إجهاد ما بعد الجائحة، قلق اقتصادي، توتر جيوسياسي، تشتت العمل الهجين (عندما تتوزع الفرق على أماكن وأوقات وقنوات متعددة)، ارتفاع الإنهاك، تغيّر توقعات الأجيال من العمل، وتراجع دور التعليم والتدريب في بناء هذه القدرات. ويضيف عاملًا حساسًا في 2026: “التفريغ الذهني للتقنية”—حين ننقل جزءًا من التفكير للأدوات (ومنها الذكاء الاصطناعي)، قد نربح سرعة لحظية، لكن نخسر “عضلة” الممارسة على المدى الطويل.
المفارقة الثانية: كلما تراجعت هذه المهارات، زادت قيمتها. المنتدى الاقتصادي العالمي يربط بين بيئات VUCA (وهي بيئات متقلبة، غير يقينية، معقدة، وملتبسة) وبين الحاجة إلى فضول وتعلّم مستمرين كي يواكب العامل تسارع التغيير. وفي عصر الذكاء الاصطناعي تحديدًا، تصبح هذه القدرات “ميزة تنافسية” لأنها لا تُستبدل بسهولة، بل تُضاعف أثر التقنية عندما تكون موجودة: الذكاء الاصطناعي ينجز الروتين المعرفي، لكن الإنسان يحدد الاتجاه، ويضع الحكم، ويربط المعنى بالسياق.
هنا تظهر عقدة سماها المقال “مشكلة الرؤية”: رغم أهمية المهارات الإنسانية، فإن المؤسسات تستثمر فيها أقل لأنها لا تظهر بوضوح في أنظمة القياس والتوظيف؛ فهي لا تُذكر كثيرًا في الوصف الوظيفي ولا تُعامل كمتطلبات قابلة للتمويل. المقال يذكر أنها تظهر في نحو 2% فقط من إعلانات الوظائف، وأنها انخفضت خلال سنوات الجائحة بنحو 4% ولم “ترتد” بعد. ومن بين هذه المهارات، تأتي الفضول والتعلّم مدى الحياة كأضعف كفاءة لدى العاملين بحسب تقييمات أصحاب العمل—وربما لأن بناؤها أصعب: BetterUp تشير إلى أن نصف من لديهم ضعف في هذه المهارة قد يحتاجون قرابة ثمانية أشهر من “التدريب المصاحب” (Coaching) لبلوغ حدّ أساسي من الكفاءة، وأن الوصول إلى اكتساب واسع قد يمتد إلى نحو 24 شهرًا.
ومن الذي “يتلقى الضربة” أكثر؟ بحسب المقال: المساهمون الفرديون (Individual Contributors)—أي من يعملون دون مسؤولية إدارة مباشرة—شهدوا الهبوط الأكبر في الإبداع وحل المشكلات، الفضول والتعلّم، المرونة، والقيادة/التأثير. الخسارة هنا لا تتوقف عند أدائهم؛ لأنها ترتد على المديرين: المدير يُطلب منه أن “ينتج” وأن “يبني الناس” في الوقت نفسه، ومع فرق أكبر وأكثر تشتتًا جغرافيًا. وفي هذا السياق يذكر المقال ظاهرة Workslop: مخرجات مولَّدة بالذكاء الاصطناعي منخفضة الجهد والجودة لا تدفع العمل للأمام فعليًا، بل تنقل عبء “التنقية والتحقق وإعادة الصياغة” إلى الطرف المستلم.
ما الحل؟
الرسالة هنا حاسمة: الدورات الجاهزة وورش العمل السريعة قد تفتح نقاشًا، لكنها نادرًا ما تُحدث تغييرًا سلوكيًا مستدامًا. البديل الذي يقترحه المقال هو نظام مؤسسي متكيف لاستعادة “التحول الإنساني” داخل المنظمة—يصل للجميع وبالأخص المساهمين الفرديين، ويكون طويل النفس، ومفصلًا حسب الوظائف والسياق، مع “ذكاء قياس” يلتقط مؤشرات التراجع مبكرًا. ويستشهد المقال بدراسة مُحكّمة عن تدخلات تدريب مصاحب شملت 391 مشاركًا وأظهرت تحسنًا ملموسًا في المهارات الإنسانية، وبأدلة أوسع تشير إلى أن التدخلات نفسها عبر أكثر من 90 ألف شخص ساعدت على التعافي بعد الجائحة بل وتجاوز مستويات 2019 لدى بعض الفئات.
كيف نقرأ هذا كاقتصاد لا كتنمية بشرية فقط؟
اقرأ “المهارة” بوصفها رأس مال: يتعرّض لصدمات، ويحتاج وقتًا لإعادة التراكم، ويؤثر مباشرة على الإنتاجية. ثم اسأل: هل لدينا قياس واضح لهذه القدرات أم أنها “غير مرئية” فلا تُموّل؟ هل نعتمد على أدوات تسرّع المخرجات أم على نظام يرفع جودة التفكير؟ وأخيرًا: عندما نقرر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، هل نستثمر بالقدر نفسه في الإنسان الذي سيحكم على المخرجات ويحوّلها إلى قرار؟ لأن التحول التقني بلا تحول إنساني قد يشتري السرعة… ويبيع القدرة.
التعليقات (3)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!