في تحول جذري يتجاوز كل ما عرفناه عن التكنولوجيا، لم يعد الذكاء الاصطناعي حبيس الشاشات والبرمجيات الرقمية؛ بل بدأ في ارتداء "جسد مادي" ليقتحم عالمنا الحقيقي. هذا ما كشف عنه إعلان صحفي رسمي نُشر مؤخراً عبر منصة "فاينانشال تايمز" (Financial Times)، مستنداً إلى التقرير السنوي العريق (Equity Gilt Study) في نسخته الحادية والسبعين، والصادر عن قسم الأبحاث في بنك "باركليز" (Barclays Research).

التقرير الذي يقرأ ملامح المستقبل، يؤكد أننا نقف على أعتاب حقبة جديدة تقودها "الروبوتات الشبيهة بالبشر" (Humanoid Robots)، والتي لن تكتفي بتغيير شكل التكنولوجيا، بل ستعيد هندسة الاقتصاد العالمي، وأسواق العمل، والجغرافيا السياسية.

المرحلة الثالثة من الأتمتة: من المهام المعزولة إلى الوظائف الكاملة

يشير تقرير "باركليز" إلى أننا ندخل الآن "المرحلة الثالثة" من الأتمتة (التشغيل الآلي). في الماضي، كانت الآلات تُصمم لأداء مهمة واحدة محددة ومعزولة داخل المصانع. أما اليوم، فالروبوتات الشبيهة بالبشر مدعومة بتطور هائل في الذكاء الاصطناعي، وأنظمة البطاريات، وقدرات الحركة، مما يجعلها قادرة على:

  • العمل بسلاسة داخل البيئات المخصصة للبشر.
  • استخدام الأدوات والمعدات التقليدية التي نستخدمها نحن.
  • إنجاز "وظائف كاملة" من البداية إلى النهاية، وليس مجرد خطوات جزئية.

يتوقع خبراء باركليز أنه مع انخفاض تكاليف إنتاج هذه الروبوتات وتسارع وتيرة انتشارها، سيقفز حجم سوقها العالمي ليصل إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2035.

مستقبل الموارد البشرية: إعادة تشكيل أم استبدال؟

بالنسبة للمهتمين بعلوم الموارد البشرية وإدارة الأعمال، يطرح هذا التحول تساؤلات مشروعة حول مصير الوظائف. تاريخياً، كانت الأتمتة ترفع الإنتاجية في قطاعات مثل التصنيع، لكنها أدت أحياناً إلى تراجع مساهمة تلك القطاعات في الناتج المحلي لصالح قطاعات أخرى تتطلب كثافة عمالية (وهو ما يُعرف اقتصادياً بتأثير بومول).

الروبوتات الجديدة ستكسر هذه القاعدة؛ لأنها تستطيع أداء مهام كان يُعتقد سابقاً أنه من المستحيل أتمتتها. ومع ذلك، يطمئن التقرير المتخوفين مستشهداً بحقيقة تاريخية مهمة: أكثر من 60% من الوظائف التي كانت موجودة في عام 2018، لم يكن لها أي وجود في عام 1940. هذا يعني أن الروبوتات الشبيهة بالبشر لن تقضي على فرص العمل، بل ستعيد هيكلة سوق العمل لتخلق أدواراً ووظائف جديدة تناسب المستقبل.

الجغرافيا السياسية: الصين في مركز الثقل العالمي

لا يمكن قراءة هذا التقرير دون التوقف عند البعد الجيوسياسي. يؤكد المحللون أن الصين تمثل حالياً مركز الثقل الحقيقي لاقتصاد الروبوتات العالمي، وذلك بفضل عدة عوامل منحتها تفوقاً واضحاً وستنعكس بشكل مباشر على ملامح المستقبل:

  • الدعم الحكومي والسياسات الموجهة: بفضل الدعم غير المحدود من الدولة لقطاع التكنولوجيا، استحوذت الصين بالفعل على 85% من إجمالي عمليات تشغيل الروبوتات الشبيهة بالبشر خلال عام 2025.
  • القدرة التصنيعية الهائلة: امتلاك الصين لسلاسل توريد عميقة وخبرة واسعة في التصنيع، جعلها تتحكم في العديد من المواد والمدخلات الحيوية اللازمة لتطوير وتوسيع نطاق هذه التكنولوجيا عالمياً.
  • مواجهة الأزمة الديموغرافية (شيخوخة السكان): بدلاً من أن تكون شيخوخة المجتمع عائقاً، حوّلتها الصين إلى دافع لتسريع الأتمتة؛ حيث يُتوقع أن تنجح الروبوتات في سد ما يصل إلى 60% من النقص المتوقع في الأيدي العاملة الصينية بحلول عام 2035.

هذا التبني السريع والاستراتيجي سيساعد بكين على استدامة نموها الاقتصادي، ويجعل من صناعة الروبوتات ركيزة أساسية لتعزيز قوتها الاقتصادية والجيوسياسية في العقود القادمة.

تأثيرات الأسواق الماليّة: ليست لعبة "صفرية"

على صعيد الاستثمارات والأسواق العالمية، يتحدث "أجاي راجادياكشا"، الرئيس العالمي للأبحاث في باركليز، بوضوح قائلاً: "إن تأثير هذه الروبوتات سيمتد إلى ما هو أبعد من التكنولوجيا، ليعيد تشكيل بنية الاقتصاد العالمي".

قد يخشى البعض من أن يضر الذكاء الاصطناعي المادي بأسعار الأصول، لكن التقرير يؤكد عكس ذلك؛ فهذا التحول ليس "لعبة صفرية" (حيث يربح طرف ما يخسره الآخر). الروبوتات ستعمل على توسيع "حدود الإنتاج" بدلاً من مجرد إعادة توزيع الدخل. وهذا سيعزز من:

  • معدلات الإنتاجية العالمية.
  • نمو أرباح الشركات بشكل أقوى.
  • تحسين العوائد على الأصول الاستثمارية طويلة الأجل.

نحن لسنا أمام مجرد "أداة تقنية" جديدة، بل أمام قوة عاملة موازية ستنتقل بالاقتصاد العالمي من مرحلة الآلة التي تساعد الإنسان، إلى مرحلة الآلة التي تشاركه بيئته وأدواته ووظائفه الكاملة. وبينما ستتغير خريطة الوظائف الرابحة والخاسرة، فإن التأثير الكلي على النمو الاقتصادي وأسواق العمل المبتكرة سيكون إيجابياً وعميقاً.