بلغ الرصيد التراكمي للاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية نحو 1.1 تريليون ريال، بحسب ما ذكره وزير الاستثمار فهد السيف خلال مؤتمر البترول العالمي في الرياض. لكن الرقم الأكثر إثارة في حديثه ربما لم يكن حجم الاستثمارات، بل قوله إن البيئة الاستثمارية انتقلت من التركيز على «الكم» إلى «النوعية».
وهنا يظهر سؤال اقتصادي مهم:
هل كل ريال من الاستثمار الأجنبي يترك الأثر نفسه في الاقتصاد؟
الإجابة: لا بالضرورة.
أولًا.. ماذا يعني أصلًا 1.1 تريليون ريال؟
من المهم قبل تحليل الرقم معرفة ما الذي يقيسه.
الـ1.1 تريليون ريال هو رصيد تراكمي للاستثمار الأجنبي المباشر، وليس مبلغًا دخل إلى المملكة خلال سنة واحدة.
والفرق جوهري.
الرصيد (Stock) هو قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة القائمة والمتراكمة في الاقتصاد عند نقطة زمنية معينة.
أما التدفق (Flow) فهو ما يدخل أو يخرج من استثمارات خلال فترة محددة، مثل ربع سنة أو سنة.
بمعنى مبسط: إذا كان حسابك البنكي يحتوي على 100 ألف ريال، فهذا هو الرصيد. وإذا أودعت خلال هذا الشهر 5 آلاف ريال، فهذا هو التدفق.
ولهذا لا يصح القول إن السعودية «استقطبت 1.1 تريليون ريال هذا العام».
والهيئة العامة للإحصاء تفرق بوضوح بين أرصدة الاستثمار الأجنبي المباشر وتدفقاته، وتعرف الاستثمار المباشر بأنه استثمار يعكس علاقة طويلة الأجل، ويشترط عادة امتلاك المستثمر الأجنبي 10% أو أكثر من حقوق التصويت في المنشأة بما يمنحه قدرة على التأثير في قراراتها.
لماذا يسمى «استثمارًا مباشرًا»؟
ليس كل مال أجنبي يدخل سوقًا ما استثمارًا أجنبيًا مباشرًا.
شراء مستثمر أجنبي كمية محدودة من أسهم شركة مدرجة مثلًا قد يصنف ضمن استثمارات المحافظ المالية.
أما الاستثمار الأجنبي المباشر فيرتبط عادة بعلاقة أعمق: تأسيس مصنع، أو الاستحواذ على حصة مؤثرة في شركة، أو تمويل شركة تابعة، أو إعادة استثمار الأرباح.
ولهذا يهتم به الاقتصاديون؛ لأنه غالبًا أكثر ارتباطًا بالنشاط الإنتاجي طويل الأجل من حركة الأموال المالية قصيرة الأجل.
لكن حتى داخل الاستثمار المباشر نفسه، تختلف الآثار الاقتصادية بشدة.
هنا تبدأ قصة «النوعية»
تخيل استثمارين أجنبيين بقيمة مليار ريال لكل منهما.
الأول يمول نشاطًا محدود الروابط بالاقتصاد المحلي، ويعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات مستوردة، ولا يحتاج إلا إلى عدد محدود من الموظفين.
والثاني ينشئ مصنعًا، ويشتري من موردين محليين، ويدرب مهندسين، وينقل تقنية جديدة، ويصدر منتجاته إلى الخارج.
القيمة المالية متساوية: مليار ريال.
لكن القيمة الاقتصادية المحتملة ليست بالضرورة متساوية.
وهذا يفسر معنى الانتقال من قياس الاستثمار بـكم ريالًا دخل؟ إلى السؤال:
ماذا يفعل هذا الريال بعد دخوله؟
كيف نقيس «جودة» الاستثمار؟
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD طورت إطارًا خاصًا يسمى FDI Qualities، أو «نوعية الاستثمار الأجنبي المباشر».
ولا يكتفي الإطار بقياس حجم الأموال، بل ينظر إلى آثار الاستثمار في مجالات مثل:
الإنتاجية والابتكار، جودة الوظائف والمهارات، ونقل المعرفة والتقنية، إضافة إلى جوانب الاستدامة.
فالمستثمر الأجنبي يمكن أن يضيف رأس مال فقط.
ويمكن أن يضيف إلى رأس المال معرفة وتقنية وأسواقًا جديدة وسلسلة موردين محليين.
وهنا يصبح الفرق كبيرًا.
لماذا يهم ارتباط المستثمر بالشركات المحلية؟
أحد أهم المسارات التي قد تنتقل من خلالها فوائد الاستثمار الأجنبي هو ارتباط الشركات العالمية بالموردين المحليين.
عندما تطلب شركة أجنبية من مصنع سعودي الالتزام بمعايير إنتاج أعلى، أو تدربه على تقنية جديدة، أو تربطه بسلسلة إمداد عالمية، فقد لا يستفيد المستثمر والشركة المتعاقدة فقط.
يمكن أن ترتفع إنتاجية المنشأة المحلية نفسها، وتتوسع قدرتها على المنافسة والتصدير.
وتوضح OECD أن الروابط بين الشركات متعددة الجنسيات والشركات المحلية، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، يمكن أن تنقل المعرفة والتكنولوجيا وتساعد المنشآت المحلية على الدخول إلى سلاسل القيمة العالمية، إذا كانت البيئة المحلية قادرة على استيعاب هذه المعرفة.
وهذا ما يسمى اقتصاديًا Spillover Effect — الأثر غير المباشر أو الأثر الانتشاري.
أي أن منفعة الاستثمار لا تتوقف عند المشروع نفسه، بل قد تنتشر إلى أجزاء أخرى من الاقتصاد.
وهل الوظائف وحدها تكفي؟
حتى عدد الوظائف يحتاج إلى تفكيك.
استثمار يوفر ألف وظيفة منخفضة المهارة ليس بالضرورة مماثلًا لاستثمار يوفر العدد نفسه مع تدريب متخصص وأجور أعلى ونقل للمعرفة.
ولهذا تركز أطر قياس جودة الاستثمار على نوع الوظائف والمهارات وليس العدد وحده.
والسؤال يصبح:
هل يضيف الاستثمار وظيفة فقط؟
أم يرفع أيضًا قيمة العامل وإنتاجيته وقدرته على العمل في قطاعات أكثر تقدمًا؟
وكذلك المصنع ليس مجرد مبنى
قد يكون الاستثمار الأجنبي مهمًا أيضًا إذا ساعد الاقتصاد على بناء قدرة إنتاجية جديدة.
فمشروع ينتج سلعة كانت تُستورد بالكامل يمكن أن يغير هيكل سلسلة الإمداد.
ومشروع يستخدم المملكة قاعدة للتصدير قد يجلب إيرادات من الخارج.
واستثمار في مركز أبحاث قد يولد معرفة مختلفة تمامًا عن الاستثمار في أصل عقاري قائم.
وهذا لا يعني أن نوعًا واحدًا «جيد» وكل الأنواع الأخرى «سيئة»، بل يعني أن الأثر الاقتصادي يختلف بحسب طبيعة الاستثمار.
ولهذا فإن الرقم الإجمالي وحده لا يستطيع إخبارنا بالقصة كاملة.
ماذا يخبرنا إذن رقم 1.1 تريليون ريال؟
إنه يخبرنا بحجم كبير من الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم داخل الاقتصاد السعودي.
لكنه لا يجيب بمفرده عن أسئلة مثل:
كم منه يذهب إلى قطاعات عالية الإنتاجية؟
كم وظيفة نوعية أنشأ؟
كم ساهم في تطوير الموردين المحليين؟
كم تقنية انتقلت إلى المملكة؟
وكم مشروعًا تحول إلى منصة للتصدير؟
هذه الأسئلة تحتاج بيانات إضافية.
وهنا تكمن أهمية عبارة وزير الاستثمار عن الانتقال من «الكم» إلى «النوعية».
فبعد مرحلة يكون فيها جذب رأس المال نفسه هدفًا مهمًا، تصبح المرحلة التالية أكثر تعقيدًا:
جذب رأس المال الذي يضيف أكبر قيمة ممكنة للاقتصاد.
الريال نفسه.. لكن الأثر مختلف
لذلك ربما يكون السؤال الأدق عند سماع أرقام الاستثمار الأجنبي ليس:
كم دخل؟
بل:
ماذا ترك وراءه؟
هل ترك مصنعًا؟
تقنية؟
مهارة؟
موردًا محليًا أقوى؟
منتجًا جديدًا؟
أو قدرة أكبر على التصدير؟
ففي الاستثمار، كما في كثير من الأرقام الاقتصادية، الحجم مهم.
لكن الحجم لا يخبرنا بكل شيء.
وقد يصبح السؤال عن «نوع الريال» اقتصاديًا أهم من الاكتفاء بعدّ الريالات.
التعليقات (4)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!