لم تكن آبل أول شركة تطلق هاتفًا بشاشة لمس، لكنها ساعدت في تحويل التقنية إلى منتج واسع الانتشار. واليوم تكرر الرهان نفسه مع هاتف iPhone Duo القابل للطي: الدخول متأخرًا إلى فئة موجودة منذ سنوات، ثم محاولة إعادة تعريفها تجاريًا.

لكن السؤال الاقتصادي ليس: هل يطوى الهاتف؟ بل: هل تستطيع آبل تحويل تقنية مكلفة ومحدودة الانتشار إلى دورة نمو جديدة في سوق هواتف وصل إلى مرحلة النضج؟

سوق ناضج يبحث عن سبب جديد للشراء

كشفت آبل عن هاتفها القابل للطي بسعر يبدأ من 1,999 دولار، وهو سعر يضعه بوضوح ضمن الأجهزة الفاخرة. ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه التحسينات السنوية للهواتف التقليدية أقل قدرة على إقناع المستهلك بتغيير جهازه باستمرار.

لهذا لا تراهن آبل على بيع تصميم مختلف فقط، بل على خلق استخدام جديد يجمع بين سهولة حمل الهاتف ومساحة شاشة أقرب إلى الجهاز اللوحي. فنجاح المنتج يعتمد على قدرة الشاشة الأكبر على تقديم قيمة فعلية، مثل تشغيل أكثر من تطبيق، وإجراء اجتماعات العمل، ومشاهدة المحتوى بصورة أفضل.

إذا شعر المستهلك أن الهاتف القابل للطي لا يقدم سوى شكل جديد، فسيبقى منتجًا محدودًا. أما إذا غيّر طريقة استخدام الهاتف، فقد يمنح الشركات سببًا أقوى لرفع الأسعار وتشجيع دورة استبدال جديدة.

ميزة الدخول المتأخر

دخلت سامسونج سوق الهواتف القابلة للطي منذ عام 2019، بينما سبقتها شركة Royole الصينية بإطلاق أول جهاز تجاري من هذا النوع في 2018. واجهت الأجيال الأولى مشكلات في متانة الشاشة، ووضوح خط الطي، وعمر البطارية، إلى جانب الأسعار المرتفعة.

انتظار آبل منحها ما يسمى ميزة المحرّك الثاني (Second-mover advantage): مراقبة أخطاء الشركات السابقة، ثم الدخول بعد تحسن الشاشات والمفصلات وتقنيات التصنيع.

لكن الدخول المتأخر لا يضمن النجاح. فسامسونج وهواوي راكمتا سنوات من الخبرة، كما أصبحتا تمتلكان قاعدة من المستخدمين وسلاسل توريد أكثر اختبارًا. ولذلك ستحتاج آبل إلى إثبات أن تكامل الجهاز مع نظام التشغيل والتطبيقات يعوض فارق الخبرة.

ما الذي يتغير خلف الجهاز؟

اقتصاديًا، لا يقتصر أثر إطلاق الهاتف على مبيعات آبل. توسع الفئة قد يرفع الطلب على مجموعة أكثر تخصصًا من المكونات، تشمل:

  • الشاشات المرنة القابلة لتحمل الطي المتكرر.
  • المفصلات الدقيقة التي تقلل سماكة الجهاز.
  • المواد الواقية واللاصقة متعددة الطبقات.
  • البطاريات والمكونات الأصغر حجمًا.
  • خدمات الصيانة والتأمين والحماية.

وهنا تظهر أهمية دخول شركة بحجم آبل. عندما تتوقع سلاسل التوريد طلبًا مستقرًا وكميات أكبر، يصبح الاستثمار في خطوط الإنتاج والبحث والتطوير أكثر قابلية للتبرير. ومع ارتفاع الإنتاج، قد تتحسن الكفاءة وتنخفض تكلفة المكونات تدريجيًا، ما يسمح بظهور أجهزة قابلة للطي ضمن فئات سعرية أوسع مستقبلًا.

لكن الاتجاه المعاكس ممكن أيضًا. فتعقيد التصنيع قد يرفع نسب العيوب وتكاليف الضمان والإصلاح، بينما تؤدي المنافسة على الشاشات والذاكرة والمكونات المتقدمة إلى ضغوط إضافية على التكاليف.

هل توسع آبل السوق أم تعيد توزيع حصصه؟

كانت الهواتف القابلة للطي تمثل نسبة محدودة من سوق الهواتف العالمي رغم سنوات من التطوير. وتتوقع IDC، وفقًا لرويترز، نمو شحناتها بنحو 30% خلال 2026، مقابل تراجع متوقع بنحو 1.4% للهواتف غير القابلة للطي.

هذه الأرقام لا تعني أن الهواتف القابلة للطي ستصبح الفئة المسيطرة سريعًا، بل تشير إلى أنها تنمو من قاعدة صغيرة داخل سوق تقليدية بطيئة النمو.

والاختبار الحقيقي هو مصدر مبيعات آبل: هل سيجذب الهاتف مستهلكين جددًا إلى الفئة، أم سينقل مستخدمي الأجهزة القابلة للطي من سامسونج وهواوي إلى آبل؟ في الحالة الأولى تتوسع السوق، وفي الثانية يعاد توزيع الحصص داخل فئة ما تزال محدودة.

ماذا يعني ذلك للسوق السعودي؟

لا توفر المادة المنشورة بيانات مستقلة عن حجم الطلب المتوقع في السعودية، لذلك لا يمكن الجزم بسرعة انتشار الجهاز محليًا. لكن الأثر الأقرب يُرجح أن يظهر أولًا في سوق التجزئة والخدمات المرتبطة بالأجهزة الفاخرة.

قد تتنافس شركات الاتصالات والمتاجر على خطط التقسيط، واستبدال الأجهزة القديمة، والتأمين والصيانة. وسيصبح السعر الشهري وشروط الإصلاح أكثر أهمية في قرار الشراء، لأن تعقيد الشاشة والمفصلة قد يجعل تكلفة امتلاك الجهاز أعلى من سعر شرائه وحده.

أما فرصة التصنيع المحلي، فلا تنشأ تلقائيًا من بيع الجهاز في المملكة. الاستفادة الصناعية تحتاج إلى دخول الشركات المحلية في جزء محدد من سلسلة القيمة، مثل المكونات أو الصيانة المتقدمة أو إعادة التدوير، وليس مجرد ارتفاع الاستهلاك.

الاختبار يبدأ بعد الإطلاق

نجاح iPhone Duo لن يُقاس بضجة الإعلان أو نفاد الكميات الأولى، بل بقدرته على الاحتفاظ بالمستخدمين بعد زوال عامل الجِدة، وانخفاض معدلات الأعطال، وظهور تطبيقات تستفيد فعلًا من الشاشة القابلة للطي.

إذا تحقق ذلك، فقد لا تكون آبل قد أطلقت هاتفًا جديدًا فقط، بل ساعدت على إنشاء فئة اقتصادية جديدة داخل سوق اعتقد كثيرون أنها وصلت إلى حدود نموها.