لطالما ارتبطت "الطماطم المعلبة" في أذهاننا بالوجبات السريعة والاقتصادية، كخيار أساسي للطلاب أو للأسر الباحثة عن توفير ميزانية الطعام. لكن، في تحول دراماتيكي يعكس تغيرات عميقة في سلوك المستهلكين والاقتصاد العالمي، نجحت العلامة التجارية الإيطالية "موتي" (Mutti) في تحويل هذه العلبة المعدنية البسيطة إلى "رمز للمكانة الاجتماعية" ومكون فاخر يزين رفوف المطابخ.
لغة الأرقام: قفزة في سوق تقليدي
دخلت شركة "موتي" - وهي شركة عائلية إيطالية تأسست عام 1899 - إلى السوق البريطاني حديثاً في عام 2020. وفي غضون سنوات قليلة، وبحلول عام 2024، تمكنت من شق طريقها لتتصدر المبيعات.
تُظهر البيانات أن "موتي" استحوذت على حصة سوقية تقارب 11%، مسجلة زيادة في مبيعاتها بنسبة 19% العام الماضي لتصل إلى 26.2 مليون يورو في بريطانيا وأيرلندا. وقد تحقق هذا النجاح رغم الفجوة السعرية الكبيرة مقارنة بمنافسيها.
الاقتصاد السلوكي: لماذا ندفع أكثر في وقت الأزمات؟
قد يبدو من غير المنطقي أن تزدهر مبيعات منتج غذائي يبلغ سعره ثلاثة أضعاف سعر البديل المتاح في ظل "أزمة غلاء معيشة" طاحنة. لكن من منظور الاقتصاد السلوكي، هذا التصرف منطقي تماماً؛ وهو ما يُعرف بتأثير التعويض أو "الرفاهية المعقولة".
- صدمة كورونا والعودة للمطبخ: خلال فترات الإغلاق إبان جائحة كوفيد-19، اضطر الناس للبقاء في منازلهم وتعلموا فنون الطبخ من الصفر. هذا التحول خلق شريحة جديدة من المستهلكين الذين يمتلكون وعياً أكبر بجودة المكونات وتأثيرها على المذاق.
- التعويض عن تقليص النفقات الكبرى: مع ارتفاع التضخم، قللت الأسر من تناول الطعام في المطاعم لتوفير المال. ولتعويض هذا الحرمان، أصبح المستهلك مستعداً لدفع مبلغ إضافي بسيط (مثل دفع 1.60 جنيه بدلاً من نصف جنيه) لشراء طماطم "فاخرة" تمنحه تجربة طعام عالية الجودة داخل منزله، كنوع من مكافأة الذات.
- الاستثمار في التسويق: لم تكتفِ "موتي" بالاعتماد على جودة منتجها، بل دعمت ذلك بحملة تسويقية ذكية بقيمة 6 ملايين جنيه إسترليني، شملت إعلانات تلفزيونية وجولات ميدانية بشاحنات ترويجية في المدن الكبرى لترسيخ صورتها كخيار "نخبوي" وفي متناول اليد في آن واحد.
الجيوبوليتيك والمناخ: تحديات سلاسل الإمداد
رغم هذا النجاح المبهر، فإن قصة "موتي" ليست بمعزل عن تقلبات الاقتصاد العالمي وأزماته. فالشركة، كغيرها من عمالقة الصناعات الغذائية، تقف اليوم في مواجهة رياح معاكسة قوية:
- التوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة: تعتمد صناعة التعليب بشكل كبير على الطاقة لتشغيل المصانع، وعلى النفط لإنتاج مواد التغليف. أي تصعيد أو صراع في الشرق الأوسط ينعكس فوراً على فواتير الطاقة الخاصة بالشركة.
- أزمة المناخ والطقس المتطرف: الزراعة هي الضحية الأولى للتغير المناخي. الطقس القاسي يهدد المحاصيل ويقلل من جودة وكمية الإنتاج، مما يرفع من تكلفة المادة الخام الأساسية.
- نافذة الإنتاج الحرجة: نقطة الضعف الأكبر لدى "موتي" هي أن موسم قطاف ومعالجة الطماطم يستمر لمدة 70 يوماً فقط (من منتصف يوليو إلى أواخر سبتمبر). في هذه النافذة الزمنية الضيقة، تكون الشركة تحت رحمة أسعار الطاقة الحالية (Spot Prices). وكما يقول "فرانشيسكو موتي"، حفيد المؤسس: "لا يمكننا تأجيل العمل أو تقديم موعده.. يجب أن نعالج الطماطم فور نضوجها وندفع فاتورة الطاقة مهما بلغ ثمنها في تلك اللحظة".
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!