في الطائرة، المقعد ليس مجرد كرسي؛ بل مساحة محدودة يجب أن تحقق أعلى عائد ممكن.
في الربع الثاني من 2026، شكّلت المقاعد الممتازة نحو 30% من السعة المقعدية لدى "أمريكان إيرلاينز"، لكنها ولّدت قرابة نصف إيرادات التذاكر. هذه المفارقة تفسر لماذا أصبحت شركات الطيران تهتم بنوعية المقاعد بقدر اهتمامها بعددها.
وتخطط "أمريكان إيرلاينز" لرفع حصة المقاعد الممتازة في رحلات طائراتها ضيقة البدن من نحو 25% إلى 40% خلال السنوات المقبلة؛ أي بزيادة 15 نقطة مئوية، أو نحو 60% مقارنة بالحصة الحالية.
ويُستخدم مصطلح المقاعد الممتازة هنا بمعناه الواسع، ليشمل فئات مثل الدرجة الأولى والأعمال والاقتصادية الممتازة والمقاعد ذات المساحة الإضافية، مع اختلاف التصنيف بين شركة وأخرى.
مساحة المقصورة: عوائد أعلى مقابل سعة أقل
تشبه الطائرة عقارًا تجاريًا يطير في السماء؛ مساحته ثابتة، لكن طريقة توزيعها تحدد قدرتها على توليد الإيرادات. فكل مساحة إضافية يحصل عليها مسافر تعني مساحة أقل متاحة لبيع مقاعد أخرى.
وتظهر هذه المفاضلة في طائرات "إيرباص A350". فالدرجة الاقتصادية الممتازة تضم عادة ثمانية مقاعد في الصف، مع مسافة تقارب 38 بوصة بين الصفوف، مقابل تسعة مقاعد ومسافة تراوح بين 31 و32 بوصة في الدرجة الاقتصادية.
هذه الزيادة في الراحة لها تكلفة فرصة؛ إذ يجب أن يعوض سعر المقعد الممتاز قيمة المقاعد الاقتصادية التي جرى الاستغناء عنها، إضافة إلى تكاليف التجهيز والخدمة.
لكن العائد قد يبرر التضحية. فبحسب "ماكينزي"، يمكن لمقصورة درجة الأعمال في بعض الرحلات الكثيفة عبر الأطلسي أن تحقق إيرادات تقارب ما تحققه المقصورة الاقتصادية، رغم أنها تشغل مساحة إجمالية أقل وتضم عددًا محدودًا من الركاب.
المسافر وسلوكه: راحة أكبر مقابل سعر أعلى
لا يدفع المسافر الممتاز مقابل المساحة فقط، بل قد يحصل، بحسب نوع التذكرة وشركة الطيران، على مزايا مثل أولوية الصعود ومرونة الحجز والأمتعة الإضافية ودخول الصالات.
بمعنى آخر، هو لا يشتري مقعدًا أكبر فحسب، بل يشتري رحلة أقل مشقة. ولذلك يكون بعض مسافري الأعمال والرحلات الطويلة أقل حساسية للسعر، بينما يبقى المسافر الترفيهي في الفئات الممتازة أكثر انتباهًا لفارق التكلفة.
وتظهر قيمة هذا الطلب في نتائج الشركات. فقد ارتفع إيراد الركاب لكل وحدة من السعة في الفئات الممتازة لدى "أمريكان إيرلاينز" بنسبة 13.4% خلال الربع الثاني من 2026، مقابل 8.8% للمقصورة الرئيسية.
أما "دلتا إيرلاينز"، فقد تجاوزت إيرادات منتجاتها الممتازة إيرادات المقصورة الرئيسية في الربع الأخير من 2025، بعدما بلغت نحو 5.70 مليار دولار مقابل 5.62 مليار دولار.
وتشير هذه الأرقام إلى تغير أوسع في تركيبة الطلب؛ إذ لم تعد شركات الطيران تسعى إلى نقل أكبر عدد ممكن من الركاب فقط، بل إلى جذب المزيج الأكثر قدرة على رفع إيرادات الرحلة.
ربحية شركات الطيران: إيرادات ضخمة وهوامش محدودة
تبدو صناعة الطيران ضخمة من الخارج، لكنها تعمل بهوامش شديدة الضيق. ويتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي أن تحقق الشركات العالمية إيرادات تقارب 1.17 تريليون دولار في 2026، مقابل صافي أرباح لا يتجاوز 23 مليار دولار.
وهذا يعني هامش ربح بنحو 2% فقط، أو ما يعادل 4.5 دولارات عن كل مسافر مغادر.
لذلك لا يكفي أن تقلع الطائرة ممتلئة؛ فقد تكون مكتملة المقاعد وضعيفة الربحية في الوقت نفسه. الأهم هو مزيج الركاب والأسعار، وهنا تظهر أهمية الدرجة الاقتصادية الممتازة التي تستهدف من يريد راحة أكبر دون تحمل تكلفة درجة الأعمال.
وبهذا تستطيع الشركة بيع الرحلة نفسها بدرجات مختلفة من الراحة والسعر، بدل رفع التكلفة على جميع المسافرين أو الاعتماد الكامل على المقاعد الاقتصادية منخفضة العائد.
التوسع في المقاعد الممتازة: فرص الربح ومخاطر فائض المعروض
المعادلة ليست مضمونة دائمًا. فترك المقعد الممتاز فارغًا أو بيعه بسعر منخفض يحمل أثرًا أكبر؛ لأن عدده محدود وقيمته أعلى، كما أنه يشغل مساحة كان يمكن تخصيصها لعدد أكبر من المقاعد الاقتصادية.
كذلك قد تؤثر الترقيات المجانية أو المدفوعة بالنقاط في الإيرادات، عندما تشغل مقاعد كان يمكن بيعها نقدًا بسعر أعلى. وتزداد المخاطرة إذا توسعت شركات كثيرة في الفئات الممتازة أسرع من نمو الطلب، ما قد يؤدي إلى زيادة المعروض وتراجع القوة التسعيرية.
وتبرز هذه المخاطرة لدى "أمريكان إيرلاينز"، التي ما تزال متأخرة عن "دلتا" و"يونايتد" في الربحية، بينما تشير توقعاتها لعام 2026 إلى نتائج تدور حول نقطة التعادل. لذلك فإن توسيع المقاعد الممتازة ليس ضمانًا للربح، بل رهان يعتمد على اختيار المسارات المناسبة، ودقة توقع الطلب، وقدرة التجربة على إقناع المسافر بدفع المزيد.
في النهاية، لا تسأل شركة الطيران فقط: كم راكبًا تتسع له الطائرة؟ بل تسأل سؤالًا أكثر أهمية: كم يدر كل جزء من مساحتها؟
ينجح المقعد الممتاز عندما تتجاوز إيراداته قيمة المقاعد التي أزيلت من أجله وتكاليف خدمته، ويتعثر عندما تتسع مساحة الرفاهية أسرع من عدد المستعدين لدفع ثمنها.
التعليقات (8)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!