تخيّل أن الكهرباء التي تشغّل المكيف في منزلك وقت الظهيرة تأتي من أشعة الشمس، لكن الطلب على الكهرباء يستمر حتى بعد غروبها. هنا يظهر السؤال: كيف نستفيد من مصدر للطاقة لا يتوافر طوال اليوم، ونجعله خيارًا اقتصاديًا يمكن الاعتماد عليه؟

لم تعد الطاقة المتجددة مجرد وسيلة لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، بل أصبحت مجالًا تتنافس فيه الدول والشركات على خفض التكاليف وتطوير التقنيات. وفي السعودية، يزداد الاهتمام بهذا المجال مع وفرة أشعة الشمس واتساع مشروعات الطاقة الشمسية والرياح.

لماذا أصبحت الشمس منافسًا للغاز؟

عند مقارنة مصادر إنتاج الكهرباء، قد يبدو الغاز خيارًا واضحًا؛ إذ يمكن لمحطاته إنتاج الكهرباء عند الحاجة، بينما تعتمد الطاقة الشمسية على ضوء الشمس. لكن الفرق لا يتوقف عند طريقة الإنتاج، بل يشمل تكلفة الوقود وتشغيل المحطات وكفاءة المعدات على مدى سنوات.

في محطات الطاقة الشمسية، يأتي مصدر الطاقة من الشمس، لذلك لا تحتاج المحطة إلى شراء وقود لتوليد الكهرباء. ومع تطور الألواح الشمسية وتحسن كفاءة المعدات، أصبحت تكلفة إنتاج الكهرباء من المشروعات المتجددة الجديدة تنافسية في أسواق عديدة.

ووفقًا لتصريح محمد أبو نيان، رئيس مجلس إدارة شركة «أكوا»، في مؤتمر البترول العالمي في أكتوبر 2026، فإن تكلفة الطاقة المتجددة في السعودية أصبحت أقل بنحو 40% من تكلفة توليد الكهرباء بالغاز، وفقًا للأسعار العالمية للغاز.

لكن هذه المقارنة تحتاج إلى فهم مهم: تكلفة إنتاج الكهرباء ليست ثابتة في جميع الدول والمشروعات، بل تتأثر بأسعار الوقود، وتكلفة التمويل، وموقع المشروع، وتوقيت إنتاج الكهرباء، ومدى الحاجة إلى التخزين وشبكات النقل. لذلك، لا يعني انخفاض تكلفة التوليد وحده أن كل مشروع متجدد سيكون أرخص في جميع الظروف.

الشمس تغيب، فماذا يحدث للكهرباء؟

هنا يأتي دور تقنية قد تكون أقل شهرة من الألواح الشمسية نفسها: تخزين الطاقة.

تنتج المحطة الشمسية الكهرباء خلال ساعات سطوع الشمس، لكن الطلب لا ينتهي عند الغروب. وإذا لم تتوافر وسيلة لتخزين جزء من الكهرباء، فقد نحتاج إلى مصادر أخرى لتغطية الطلب في الأوقات التي ينخفض فيها الإنتاج الشمسي.

تعمل بطاريات تخزين الطاقة بطريقة تشبه بطارية الهاتف، ولكن على نطاق أكبر بكثير. فعندما تنتج المحطة كهرباء أكثر من الحاجة في لحظة معينة، يمكن تخزين جزء منها، ثم إطلاقه لاحقًا عندما يرتفع الطلب أو ينخفض إنتاج الشمس والرياح.

وهذا لا يعني أن البطاريات تنتج الكهرباء من تلقاء نفسها؛ فهي تخزّن الطاقة التي جرى إنتاجها مسبقًا، مع فقدان جزء منها أثناء الشحن والتفريغ. وتساعد هذه التقنية على الاستفادة من الكهرباء في وقت مختلف عن وقت إنتاجها.

بحسب وزارة الطاقة الأميركية، يمكن أن يساعد الجمع بين الطاقة الشمسية والتخزين على موازنة العرض والطلب، والاستفادة من الكهرباء بعد غروب الشمس، وتحسين استقرار إمدادات الشبكة.

كيف يتحول تخزين الطاقة إلى فرصة اقتصادية؟

قد تبدو إضافة البطاريات تكلفة إضافية على المشروع، لكنها قد تمنحه قيمة أكبر؛ فبدلًا من الاستفادة من الكهرباء وقت إنتاجها فقط، يمكن نقل جزء من هذه الاستفادة إلى ساعات أخرى يحتاج فيها المستهلكون إلى الطاقة.

تخيّل متجرًا كبيرًا يستهلك الكهرباء طوال اليوم. إذا أنتجت محطة شمسية كهرباء بكميات كبيرة خلال النهار، فإن تخزين جزء منها قد يساعد على تغطية بعض احتياجات المساء. وبذلك، لا تقتصر قيمة المشروع على كمية الكهرباء التي ينتجها، بل تشمل أيضًا الوقت الذي يستطيع فيه توفيرها.

وفي هذا السياق، أشار أبو نيان إلى أن إضافة تقنيات تخزين الطاقة إلى مشروعات الطاقة المتجددة قد تحقق، وفقًا لتصريحه، فارقًا في التكلفة بنحو 20% مقارنة بالغاز والطاقة التقليدية.

ومع ذلك، فإن الجدوى الاقتصادية للتخزين تعتمد على سعر البطاريات وعمرها التشغيلي وتكاليف صيانتها، إلى جانب مدة التخزين المطلوبة وطبيعة الطلب على الكهرباء. فكلما تطورت هذه التقنيات وانخفضت تكلفتها، اتسعت الخيارات المتاحة أمام مشروعات الطاقة المتجددة.

ما الذي يجعل السعودية أمام فرصة مختلفة؟

تمتلك السعودية موردًا طبيعيًا مهمًا لتوليد الكهرباء، وهو وفرة أشعة الشمس، كما تتوسع في تطوير مشروعات الطاقة الشمسية والرياح. لكن الاستفادة من هذه الموارد لا تعتمد على الطبيعة وحدها؛ إذ تحتاج إلى تمويل مناسب، وشبكات كهرباء قادرة على استيعاب الإنتاج، وتقنيات متقدمة، وشركات تستطيع تنفيذ المشروعات وتشغيلها بكفاءة.

ومن العناصر المهمة أيضًا طريقة تنظيم السوق. فعندما تكون آليات شراء الكهرباء واضحة، وتتنافس الشركات على تنفيذ المشروعات، يمكن أن يساعد ذلك على تحسين الأسعار وجذب الاستثمارات. وهذا ما يجعل تنظيم القطاع وتوزيع المخاطر بين الأطراف جزءًا من المعادلة الاقتصادية، وليس مجرد إجراء إداري.

ويشير التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025 إلى توسع مشروعات الطاقة المتجددة في المملكة، مع تطوير مشروعات للطاقة الشمسية والرياح والتخزين. وهذا يعكس أن التحول لا يتعلق بإنشاء محطات جديدة فقط، بل ببناء منظومة متكاملة لإنتاج الكهرباء وإدارتها والاستفادة منها.

المنافسة القادمة ليست على الإنتاج فقط

مع تطور تقنيات الطاقة، لن يقتصر التنافس بين الشركات على بناء محطات أكبر أو إنتاج كميات أكثر من الكهرباء. بل سيشمل القدرة على التنبؤ بالطلب، وتقليل الأعطال، وإدارة التخزين، ورفع كفاءة التشغيل.

وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا مهمًا، من خلال تحليل بيانات الطقس واستهلاك الكهرباء وتوقعات الإنتاج، بما يساعد المشغلين على التخطيط بصورة أفضل. لكنه يظل أداة مساعدة تحتاج إلى بيانات دقيقة وأنظمة تشغيل مناسبة، ولا يلغي الحاجة إلى البنية التحتية والاستثمارات.

وتوضح الوكالة الدولية للطاقة أن توسع الطاقة الشمسية والرياح يزيد أهمية مرونة أنظمة الكهرباء، وأن تخزين البطاريات يساعد على موازنة الشبكة ونقل الطاقة إلى الأوقات التي تحتاج إليها.


في النهاية: قيمة الطاقة في وقتها

التحول إلى الطاقة المتجددة لا يعني استبدال مصدر طاقة بآخر فحسب، بل تغيير الطريقة التي نفكر بها في إنتاج الكهرباء وتخزينها وتوزيعها. فالمصدر الأرخص ليس بالضرورة المصدر الذي ينتج الكهرباء بأقل تكلفة في لحظة واحدة، بل الذي يستطيع تلبية الاحتياج بكفاءة وتكلفة مناسبة ضمن منظومة متكاملة.

وبالنسبة للسعودية، فإن التحدي لا يقتصر على الاستفادة من الشمس والرياح، بل يمتد إلى تطوير تقنيات التخزين، ورفع كفاءة الشبكات، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وجذب الاستثمارات التي تجعل هذه الموارد ميزة اقتصادية مستدامة.

فربما لا يكون السؤال الأهم هو: كم تبلغ تكلفة إنتاج الكهرباء من الشمس؟ بل: كيف نستفيد من كل وحدة طاقة بأفضل طريقة، وفي الوقت الذي نحتاج إليها فيه؟