قدّرت دراسة لمنتدى الرياض الاقتصادي تكلفة الازدحام المروري في الرياض وجدة وحاضرة الدمام بنحو 18 مليار ريال خلال عام 2025. لكن التكلفة الاقتصادية للزحام لا تقتصر على الوقود والوقت الضائع؛ بل تمتد إلى الإنتاجية وسلاسل الإمداد وجودة الحياة. فكيف يحسب الاقتصاديون هذه التكلفة؟ ولماذا قد يؤدي النمو الاقتصادي إلى زيادة الازدحام؟ وهل تستطيع المدن معالجة المشكلة بمجرد بناء المزيد من الطرق؟

حين تتحول دقائق الطريق إلى مليارات

في كل صباح، يتكرر مشهد مألوف في المدن الكبرى: آلاف السيارات تتحرك ببطء، وموظفون يراقبون ساعاتهم، وشاحنات تنتظر الوصول إلى وجهاتها، وعائلات تحاول الالتزام بمواعيدها.

قد يبدو الازدحام مشكلة مرورية تتعلق بعدد السيارات والطاقة الاستيعابية للطرق. لكنه من منظور الاقتصاد أوسع من ذلك؛ فالوقت الذي يمضيه الموظف في الطريق، وتأخر شاحنة البضائع، وارتفاع تكاليف توصيل المنتجات، كلها أمثلة على موارد تُستهلك بصورة تؤثر في كفاءة النشاط الاقتصادي.

وتقدم المدن السعودية مثالًا على حجم هذه الظاهرة. فقد كشفت دراسة لمنتدى الرياض الاقتصادي أن تكلفة الازدحام المروري في الرياض وجدة وحاضرة الدمام بلغت نحو 18 مليار ريال خلال عام 2025، منها 11.4 مليار ريال في الرياض وحدها، أي نحو 63% من إجمالي التكلفة المقدّرة للمدن الثلاث.

هذه النتائج، التي نقلتها صحيفة «الاقتصادية» في تقرير للصحفي عبدالله الروقي بتاريخ 13 أكتوبر 2026، تفتح سؤالًا يتجاوز حدود المدن السعودية: كيف يستطيع الاقتصاديون احتساب تكلفة شيء لا نشتريه ولا نبيعه بصورة مباشرة، مثل الوقت الذي نفقده في الطريق؟

كيف يحسب الاقتصاديون ثمن الزحام؟

في علم اقتصاد النقل (Transport Economics)، لا تُقاس تكلفة الرحلة بما يدفعه المسافر من نقود فقط، بل بما يتحمله من وقت وجهد وتكاليف تشغيل أيضًا.

ويستخدم الباحثون مفهوم «القيمة الاقتصادية لوقت السفر» (Value of Travel Time)، وهو تقدير للقيمة التي يحققها تقليل الزمن اللازم للوصول إلى وجهة معينة.

لفهم الفكرة، تخيل موظفًا يستغرق وصوله إلى العمل ساعة بدلًا من نصف ساعة. الوقت الإضافي لا يعني بالضرورة خسارة نقدية تعادل نصف ساعة من راتبه؛ فقد يكون وقتًا كان سيقضيه مع أسرته، أو في ممارسة الرياضة، أو في الراحة.

ومع ذلك، يبقى لهذا الوقت قيمة اقتصادية؛ لأنه مورد محدود كان يمكن استخدامه بطريقة أخرى.

وهنا يظهر مفهوم «تكلفة الفرصة البديلة» (Opportunity Cost)، الذي يعني ببساطة قيمة أفضل بديل نتخلى عنه عندما نختار استخدام مورد محدود بطريقة معينة.

وعندما يتأخر آلاف الموظفين وسائقي الشاحنات ومقدمي الخدمات يوميًا، تتحول تلك الدقائق المتفرقة إلى ساعات طويلة من الوقت المستهلك في التنقل، ويمكن تقدير قيمتها اقتصاديًا.

وتعتمد الجهات البحثية في تقدير هذه القيمة على أساليب مختلفة، من بينها دراسة استعداد الأفراد للدفع مقابل اختصار زمن الرحلة، أو قياس أثر التأخير في تكاليف الأعمال.

لكن هنا تبرز نقطة مهمة: التكلفة الاقتصادية المقدّرة ليست بالضرورة أموالًا دُفعت بالفعل.

فعندما تشير دراسة إلى أن تكلفة الازدحام بلغت مليارات الريالات، فهذا لا يعني أن المبلغ خرج نقدًا من حسابات الأفراد أو ميزانية الدولة. فقد يشمل تقديرات لقيمة الوقت الإضافي، والوقود المستهلك، وتكاليف التشغيل، وآثارًا اقتصادية واجتماعية أخرى، وفقًا للمنهجية المستخدمة.

ولذلك لا يصح اعتبار الرقم كله خسارة مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، أو افتراض إمكانية استرداده بالكامل بمجرد اختفاء الازدحام.

لماذا يدفع الآخرون ثمن رحلتك؟

هناك مفهوم أساسي في الاقتصاد يساعد على تفسير الازدحام، يُسمى «التكلفة الخارجية» (External Cost).

وتحدث التكلفة الخارجية عندما يترتب على قرار يتخذه شخص أو مؤسسة عبء يتحمله آخرون دون أن ينعكس بالكامل على صاحب القرار. لنفترض أن سائقًا قرر استخدام طريق مزدحم خلال وقت الذروة.

هو يتحمل تكلفة رحلته من وقود ووقت واستهلاك للمركبة. لكن دخوله إلى الطريق قد يزيد التأخير على السيارات الأخرى، ولو بمقدار ضئيل. ومع تكرار هذه القرارات من عدد كبير من السائقين، تتراكم الآثار الصغيرة وتتحول إلى ازدحام واسع.

هنا يميز الاقتصاديون بين التكلفة الخاصة التي يتحملها السائق بنفسه، والتكلفة الاجتماعية التي تشمل أثر قراره على الآخرين. وتبرز المشكلة عندما تكون التكلفة التي يشعر بها الفرد أقل من التكلفة التي يفرضها استخدامه للطريق على المجتمع.

فكل سائق قد يتخذ قرارًا يبدو منطقيًا بالنسبة إليه، لكن مجموع هذه القرارات قد يؤدي إلى نتيجة غير فعالة اقتصاديًا.

هذه إحدى مفارقات الازدحام: قد تكون قرارات الأفراد صحيحة من وجهة نظرهم، لكنها عندما تجتمع تؤدي إلى نتيجة أقل كفاءة للجميع.

هل الازدحام نتيجة طبيعية للنمو الاقتصادي؟

أظهرت دراسة منتدى الرياض الاقتصادي ارتفاع مستويات الازدحام في الرياض بنسبة 86% مقارنة بعام 2016، وأشارت إلى النمو السكاني والتمدد العمراني الأفقي والاعتماد المتزايد على المركبات الخاصة، إضافة إلى تحديات التكامل بين التخطيط الحضري والنقل العام.

لفهم هذه العلاقة اقتصاديًا، ينبغي النظر إلى ما يحدث عندما تنمو المدينة.

مع التوسع الاقتصادي، تنشأ وظائف جديدة، وتُفتتح شركات ومتاجر ومطاعم، وتتوسع الأنشطة التجارية والخدمية. وكل نشاط جديد قد يولد رحلات إضافية للعاملين والعملاء والموردين.

ووفقًا للدراسة، استحوذت الرياض على 50% من الفرص الوظيفية المستحدثة في المملكة منذ عام 2021 وحتى الفترة التي تناولتها نتائج الدراسة.

ويمثل نمو الوظائف مؤشرًا على توسع النشاط الاقتصادي، لكنه يوضح أيضًا كيف يرتبط سوق العمل بحركة التنقل اليومية.

فالعامل يحتاج إلى الوصول إلى مقر وظيفته، والعميل إلى الوصول إلى الخدمة، والشركة إلى نقل المواد والمنتجات بين المواقع.

وفي اقتصاد المدن، توجد ظاهرة تُسمى «اقتصادات التجمع» (Agglomeration Economies)، وهي الفوائد الاقتصادية التي تتحقق عندما تتمركز الشركات والعمالة والخدمات بالقرب من بعضها.

فهذا القرب يسهل تبادل المعرفة، والوصول إلى المهارات، وتوسيع الأسواق، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى زيادة المنافسة على المساحات والطرق والبنية التحتية.

وبالتالي، لا يكون الازدحام دائمًا دليلًا على ضعف النشاط الاقتصادي؛ فقد يظهر أيضًا في مدن تشهد نموًا سريعًا وتوسعًا في الفرص.

لكن التحدي يبدأ عندما تصبح الزيادة في الطلب على التنقل أسرع من قدرة المدينة على استيعابها بكفاءة.

وهنا تظهر أهمية التكامل بين التخطيط العمراني والنقل؛ إذ لا يكفي إنشاء أحياء سكنية ومراكز أعمال جديدة دون النظر إلى كيفية انتقال الناس بينها.

تطبيقات النقل والتوصيل: كيف غيّر الاقتصاد الرقمي حركة المدن؟

لم تعد الرحلات داخل المدن تقتصر على الذهاب إلى العمل أو العودة منه. فقد أضاف الاقتصاد الرقمي أنماطًا جديدة من التنقل، ترتبط بتطبيقات نقل الركاب وتوصيل الطعام والمنتجات.

وتوضح بيانات دراسة منتدى الرياض الاقتصادي حجم هذا التحول.

فقد ارتفع عدد رحلات تطبيقات توجيه المركبات لنقل الأفراد من 18 مليون رحلة في عام 2019 إلى 92 مليون رحلة في عام 2025؛ أي إلى أكثر من خمسة أضعاف مستواه السابق.

وفي قطاع التوصيل، أشارت الدراسة إلى تسجيل نحو مليون طلب يوميًا في المملكة، تتركز 74% منها في الفترة المسائية، فيما تستحوذ منطقة الرياض على 45% من إجمالي الطلبات.

تقدم هذه الأرقام صورة مهمة لتغير أنماط الاستهلاك والحركة داخل المدن.

فالطلب على خدمات توصيل الطعام، مثلًا، يتأثر بعادات الاستهلاك وأوقات الوجبات والتسوق، وقد ينشئ حركة مرورية تختلف في توقيتها عن رحلات العمل والتعليم.

وهكذا تتشكل موجات متعددة من الطلب على الطرق، بعضها يرتبط بالعمل، وبعضها بالتجارة والخدمات والترفيه.

لكن ارتفاع رحلات التطبيقات لا يعني بالضرورة أن جميعها أضافت سيارات جديدة إلى الطرق؛ فبعض رحلات نقل الركاب قد يحل محل استخدام السيارة الخاصة، وبعض عمليات التوصيل قد تجمع عدة طلبات في رحلة واحدة.

ولذلك يحتاج تقييم أثر هذه الخدمات في الازدحام إلى معرفة عدد المركبات، والمسافات المقطوعة، وأوقات التشغيل، والرحلات التي حلت محلها، وليس عدد الطلبات وحده.

وهنا تظهر مفارقة اقتصادية أخرى: قد يوفر الاقتصاد الرقمي الوقت للمستهلك، لكنه ينقل جزءًا من عبء التنقل إلى مقدم الخدمة.

ويبقى السؤال: هل يؤدي ذلك إلى استخدام أكثر كفاءة للطرق، أم إلى زيادة الضغط عليها؟ الإجابة تختلف بحسب طبيعة الخدمة وطريقة تشغيلها وسلوك المستخدمين.

فاتورة الزحام التي لا تظهر عند محطة الوقود

قد يبدو الوقود الإضافي أكثر عناصر الازدحام وضوحًا، لكنه ليس التكلفة الوحيدة.

ففي قطاع الأعمال، يمثل عدم انتظام زمن الرحلات تحديًا تشغيليًا. شركة التوصيل، مثلًا، لا تحتاج فقط إلى معرفة المسافة بين المستودع والعميل، بل تحتاج أيضًا إلى توقع موعد الوصول بدقة.

وعندما يصبح زمن الرحلة غير مستقر، قد تضطر إلى إضافة وقت احتياطي إلى جداولها، أو تعديل مساراتها، أو تخصيص موارد إضافية لضمان استمرارية الخدمة.

ويُعرف هذا الجانب في اقتصاد النقل باسم «موثوقية زمن الرحلة» (Travel Time Reliability)، أي مدى القدرة على توقع المدة التي تستغرقها الرحلة.

وقد تكون رحلة تستغرق أربعين دقيقة بصورة منتظمة أكثر ملاءمة لشركة من رحلة تستغرق ثلاثين دقيقة في الظروف المعتادة، لكنها قد تمتد فجأة إلى ساعة أو أكثر.

فالاقتصاد لا يهتم بمتوسط زمن الرحلة وحده، بل يهتم أيضًا بمدى استقراره.

وفي سلاسل الإمداد، يمكن أن يؤثر التأخير في تسليم المواد والمنتجات، بما ينعكس على إدارة المخزون وكفاءة استخدام الشاحنات والعمالة.

وقد تضطر بعض الشركات إلى تعديل جداول الإنتاج والتوزيع أو تحمل تكاليف تشغيل إضافية. ولا يعني ذلك أن جميع التكاليف تنتقل مباشرة إلى المستهلك، لكنها قد تؤثر في أسعار الخدمات أو هوامش أرباح الشركات.

أما من الناحية البيئية والصحية، فقد تؤدي حركة التوقف والانطلاق المتكررة إلى زيادة استهلاك الوقود والانبعاثات في ظروف معينة، فضلًا عن آثار الضوضاء والتعرض للملوثات المرورية.

وهكذا تتوزع تكلفة الازدحام بين أطراف قد لا تكون جميعها موجودة داخل السيارات المتوقفة.

لماذا لا تنتهي الزحمة كلما بنينا طريقًا جديدًا؟

من أكثر أفكار اقتصاد النقل إثارة للاهتمام ما يُعرف باسم «الطلب المستحث» (Induced Demand).

وتعني هذه الظاهرة أن زيادة الطاقة الاستيعابية للطرق قد تشجع الناس على استخدام السيارات بصورة أكبر، ما يؤدي إلى امتلاء جزء من المساحة الجديدة بمرور الوقت.

كيف يحدث ذلك؟

عندما يُوسّع طريق مزدحم، تتحسن حركة المرور في البداية، وينخفض الزمن اللازم لعبوره.

هذا التحسن قد يشجع بعض السائقين على العودة إلى الطريق بعد أن كانوا يتجنبونه، وقد يدفع آخرين إلى تغيير مواعيد رحلاتهم أو استخدام سياراتهم بدلًا من وسائل نقل أخرى.

وعلى المدى الطويل، قد تؤثر سهولة التنقل أيضًا في اختيار مواقع السكن والعمل والتسوق.

وبذلك يتحول جزء من التحسن الذي حققته توسعة الطريق إلى طلب إضافي على استخدامه.

وقد تناول الاقتصاديان جيل دورانتيون وماثيو تيرنر هذه العلاقة في دراسة علمية نشرتها مجلة American Economic Review عام 2011، بعنوان «القانون الأساسي لازدحام الطرق: أدلة من المدن الأمريكية».

ووجد الباحثان، في الطرق السريعة بين الولايات داخل المناطق الحضرية الأمريكية التي درساها، أن زيادة المسارات ارتبطت بزيادة متناسبة تقريبًا في المسافات التي تقطعها المركبات.

وتساعد هذه النتيجة على فهم لماذا قد تمتلئ الطرق الجديدة بعد فترة من افتتاحها.

لا يعني ذلك أن بناء الطرق أو تطويرها غير مفيد؛ فقد تكون التوسعة ضرورية لمعالجة اختناقات محددة أو تحسين الربط بين المناطق. لكنها تعني أن زيادة مساحة الطرق وحدها لا تضمن القضاء الدائم على الازدحام.

فالطرق ليست مجرد بنية تحتية تستجيب للطلب، بل إن تحسينها قد يغير حجم الطلب نفسه.

كيف تستطيع المدن تقليل تكلفة الازدحام؟

إذا كان الازدحام نتيجة لتفاعل ملايين القرارات الفردية، فإن التعامل معه يحتاج إلى ما هو أوسع من زيادة عدد المسارات.

في اقتصاد النقل، تُناقش الحلول من زاويتين متكاملتين: تحسين كفاءة حركة المركبات، وإدارة الطلب على التنقل.

فقد يؤدي تطوير التقاطعات وتحسين توقيت الإشارات المرورية وإدارة الحوادث إلى رفع كفاءة استخدام الطرق القائمة.

وفي المقابل، يمكن للنقل العام الفعال أن يمنح الأفراد بديلًا عن السيارة الخاصة، خصوصًا عندما تكون الخدمة منتظمة ومتصلة بمناطق السكن والعمل والخدمات.

كما يمكن لساعات العمل المرنة والعمل عن بُعد، في الوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك، أن يساهما في توزيع بعض الرحلات على أوقات مختلفة أو تقليل الحاجة إليها.

وهذه من المقترحات التي أشارت إليها دراسة منتدى الرياض الاقتصادي، إلى جانب إعادة تنظيم أوقات الدوام بما يساعد على تخفيف تركز الحركة المرورية.

ومن الأدوات التي يناقشها الاقتصاديون أيضًا «تسعير الازدحام» (Congestion Pricing)، وهو فرض رسوم على استخدام طرق أو مناطق معينة في أوقات الضغط المرتفع، بهدف جعل قرار الرحلة يعكس جزءًا أكبر من التكلفة التي يفرضها على الآخرين.

لكن هذا الحل ليس مناسبًا تلقائيًا لكل مدينة؛ إذ تتوقف جدواه وعدالته على تصميم الرسوم، وتوفر بدائل النقل، وتأثيرها في أصحاب الدخول المختلفة ومن لا يملكون مرونة في مواعيد العمل.

والأهم أن تخطيط المدن نفسه يستطيع التأثير في الطلب على الرحلات؛ فكلما توافرت بعض الخدمات وفرص العمل بالقرب من المناطق السكنية، انخفضت الحاجة إلى قطع مسافات طويلة لممارسة الأنشطة اليومية.

والمقصود ليس إلغاء التنقل، بل تسهيل الوصول إلى ما يحتاجه الإنسان بأقل تكلفة ممكنة.

هل كل ازدحام خسارة اقتصادية؟

رغم التكاليف السابقة، لا يصح اعتبار أي تباطؤ في الحركة خسارة يجب القضاء عليها بالكامل.

فالمدن المزدحمة قد تكون أيضًا مراكز نشطة للتوظيف والتجارة والخدمات، والتجمع المكاني للشركات والعمالة يوفر فوائد اقتصادية مهمة.

كما أن الوصول إلى طرق خالية تمامًا في جميع الأوقات قد يتطلب استثمارات ضخمة لا تتناسب مع المنافع التي تحققها.

ولهذا لا يستهدف التحليل الاقتصادي بالضرورة الوصول إلى حركة مرورية حرة تمامًا، بل البحث عن مستوى استخدام للطرق يوازن بين منافع التنقل والتكاليف التي يفرضها.

وتؤكد أدبيات المنتدى الدولي للنقل التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أهمية عدم النظر إلى إجمالي تكلفة الازدحام بمعزل عن ظروف المدينة، أو افتراض أن جميع التأخيرات يمكن إزالتها اقتصاديًا.

فالأهم هو معرفة أي أنواع التأخير يمكن تخفيفها، وما مقدار المنفعة التي سيحققها ذلك، وهل تتجاوز هذه المنفعة تكلفة الحلول المقترحة؟

وهذا ما يجعل تقديرات التكلفة الاقتصادية أدوات للمقارنة واتخاذ القرار، لا مجرد أرقام للخسائر.

من سرعة السيارات إلى قيمة الوصول

تعيدنا الأرقام التي كشفتها دراسة منتدى الرياض الاقتصادي إلى السؤال الأساسي: ما الذي يجب أن تقيسه المدن عندما تسعى إلى تحسين حركة المرور؟

هل النجاح يعني زيادة سرعة السيارات فقط، أم قدرة السكان على الوصول إلى أعمالهم ومدارسهم ومستشفياتهم ومتاجرهم بسهولة وموثوقية وتكلفة معقولة؟

الفرق بين السؤالين جوهري.

فقد يتحسن الوصول إلى الخدمات بفضل النقل العام أو قرب المرافق أو تقليل الحاجة إلى التنقل، حتى دون زيادة كبيرة في سرعة السيارات.

وهنا تتحول القضية من مجرد إدارة حركة المرور إلى إدارة مورد اقتصادي مشترك هو الوقت.

إن مبلغ 18 مليار ريال الذي قدّرته دراسة المدن السعودية الثلاث يوضح حجم القضية في سياق محلي محدد، لكن الفكرة الاقتصادية التي يكشفها لا ترتبط ببلد أو عام بعينه.

فكل مدينة تنمو وتتوسع تواجه سؤالًا مشابهًا: كيف تحقق فوائد التجمع الاقتصادي دون أن تستهلك تكاليف التنقل جزءًا متزايدًا من هذه الفوائد؟

في النهاية، لا تكمن التكلفة الحقيقية للازدحام في مشهد السيارات المتوقفة وحده، بل في الفرص والموارد التي كان يمكن استخدامها بصورة أفضل.

فالاقتصاد لا يسأل فقط: كم من الوقت نقضيه على الطريق؟ بل يسأل سؤالًا أعمق: ما الذي كان يمكن أن نفعله بهذا الوقت، وكيف نجعل الوصول إلى وجهاتنا أقل تكلفة على الجميع؟