قد تكون الشركة قد باعت منتجاتها وحققت إيرادًا، لكنها لا تملك النقد بعد.

فبين تسليم البضاعة وتحصيل قيمة الفاتورة قد تمر أسابيع أو أشهر، بينما تستمر الرواتب والمشتريات والمخزون والمصروفات. وهنا تظهر مفارقة تواجه الشركات: النمو في المبيعات لا يعني بالضرورة وفرة السيولة.

من هذه الزاوية يمكن قراءة خطوة البنك المركزي السعودي "ساما"، الذي طرح في 26 أغسطس 2026 مشروع "مسودة قواعد ممارسة تمويل سلاسل الإمداد" لمرئيات العموم لمدة 30 يومًا.

وتهدف القواعد إلى تنظيم ممارسة تمويل سلاسل الإمداد ووساطته، بما يدعم نمو هذا النشاط في المملكة ويرفع فاعلية ومرونة التعاملات المالية في القطاعات التجارية.

لكن أهمية الخطوة تتجاوز تنظيم نشاط تمويلي؛ فهي تفتح سؤالًا اقتصاديًا أوسع: ماذا يحدث عندما تتحول الفاتورة التي تنتظر السداد إلى وسيلة للوصول إلى السيولة؟

الشركة باعت.. لكن النقد لم يصل

لنفترض أن موردًا سلّم بضاعة لشركة، لكن قيمة الفاتورة لن تصل إليه إلا بعد فترة. خلال هذا الوقت، يحتاج إلى شراء مواد جديدة ودفع الرواتب والاستمرار في أعماله.

بمعنى أبسط: لديه مستحقات مالية، لكن النقد ليس في حسابه بعد.

هنا يأتي تمويل سلاسل الإمداد، الذي يتيح للموردين في بعض نماذجه الحصول على تمويل قصير الأجل وتحويل مستحقاتهم إلى سيولة، بدل انتظار موعد السداد.

القيمة الاقتصادية هنا ليست في زيادة المبيعات، بل في توقيت وصول النقد. فكلما استطاعت الشركة تحرير جزء من السيولة المرتبطة بمستحقاتها، أصبحت أقدر على تمويل مخزونها ومدخلاتها وبدء دورة أعمال جديدة.

لماذا تهم السيولة الشركات الصغيرة أكثر؟

تزداد أهمية هذه الفجوة عندما تكون الشركة أصغر.

فالوصول إلى التمويل يمثل تحديًا للعديد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهنا تبرز أهمية توسيع الخيارات التمويلية المتاحة لها.

ويمكن لتمويل سلاسل الإمداد أن يفتح خيارًا إضافيًا للتمويل، يساعد المورد على تحويل مستحقاته إلى سيولة وتحسين رأس المال العامل.

اقتصاديًا، الفكرة بسيطة: كلما وصلت السيولة في الوقت المناسب، أصبحت الشركة أقدر على تمويل مخزونها وعملياتها والاستمرار في دورة الإنتاج والبيع.

السيولة الأسرع ليست بلا مخاطر

لكن الوصول إلى النقد مبكرًا لا يعني تمويلًا مجانيًا أو خاليًا من المخاطر.

فهناك ممول ومورد ومشتري، وقد يوجد وسيط أيضًا. ومع نمو النشاط، تصبح الحاجة أكبر إلى قواعد واضحة تحدد الإجراءات وتنظم العلاقة بين هذه الأطراف.

وهنا تظهر أهمية خطوة "ساما".

فالمسودة تشمل تمويل سلاسل الإمداد ووساطة تمويل سلاسل الإمداد، وتهدف إلى وضع المعايير والإجراءات المنظمة للنشاط، ضمن جهود تطوير القطاع المالي وتشجيع الابتكار في الخدمات المالية.

وبذلك تصبح المعادلة واضحة: توسيع خيارات التمويل أمام الشركات، لكن داخل إطار ينظم نمو السوق وممارساته.

عندما يصبح الوقت جزءًا من التمويل

في النهاية، تمويل سلاسل الإمداد لا يخلق مبيعات جديدة، ولا يحول كل فاتورة إلى تمويل.

لكن قيمته الاقتصادية تظهر في الوقت.

فالشركة لا تحتاج فقط إلى أن تبيع، بل إلى وصول النقد في الوقت الذي يسمح لها بشراء المخزون، وتمويل عملياتها، والبدء في دورة أعمال جديدة.

ومن هنا تبدو مسودة "ساما" أكبر من مجرد قواعد لنشاط تمويلي؛ فهي تفتح المجال أمام سوق يمكن أن يجعل الفاتورة جزءًا من حلول رأس المال العامل، بدل أن تبقى أموالًا تنتظر موعد السداد.

فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى شركات تبيع أكثر، بل يحتاج أيضًا إلى أن تتحرك السيولة بينها بكفاءة.

وقد تكون الفاتورة التي تثبت انتهاء عملية بيع، هي نفسها نقطة البداية لدورة جديدة من التمويل والإنتاج.