عندما نستخدم نموذجًا للذكاء الاصطناعي لإنشاء صورة أو كتابة نص، تبدو العملية بسيطة: نكتب أمرًا ونحصل على النتيجة خلال ثوانٍ.
لكن خلف هذه الثواني توجد سلسلة اقتصادية وتقنية ضخمة تبدأ بمراكز البيانات والطاقة والرقائق، وتمر بالنماذج والبرمجيات، وتنتهي بالمهارات والتطبيقات التي يستخدمها الأفراد والشركات.
ولهذا فإن بناء قطاع للذكاء الاصطناعي لا يعني امتلاك تطبيق ذكي أو تطوير نموذج واحد فقط، بل يتطلب بناء ما يمكن تسميته «سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي».
وتساعد الشراكات الأخيرة بين وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وHUMAIN، إلى جانب توسع شراكة الوزارة وHUMAIN مع Adobe، على فهم كيف تتشكل هذه السلسلة عمليًا.
الطبقة الأولى: القدرة الحاسوبية
قبل تدريب أي نموذج متقدم، نحتاج إلى شيء أساسي: الحوسبة.
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تحتاج إلى كميات كبيرة من المعالجة، وهو ما يتطلب رقائق متخصصة وخوادم وشبكات ومراكز بيانات قادرة على تشغيلها، إلى جانب الطاقة والتبريد والبنية الرقمية اللازمة.
وهنا تأتي أهمية مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
فالقدرة الحاسوبية أصبحت أشبه بالبنية التحتية للصناعات التقليدية؛ كما يحتاج المصنع إلى الكهرباء والطرق والموانئ، يحتاج اقتصاد الذكاء الاصطناعي إلى مراكز بيانات وقدرات حوسبية قبل أن يستطيع تطوير التطبيقات والخدمات فوقها.
لذلك فإن التعاون بين وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وHUMAIN لا يركز على تطبيق معين، بل على تمكين البنية الأساسية التي يمكن أن تُبنى فوقها تطبيقات متعددة مستقبلًا.
لماذا أصبحت مراكز البيانات قضية اقتصادية؟
لأن القدرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي نفسها أصبحت مورداً ذا قيمة.
فالشركات التي تريد تطوير نماذج أو تشغيل خدمات ذكاء اصطناعي تحتاج إلى شراء أو استئجار قدرة حاسوبية. وإذا كانت هذه القدرة متاحة محليًا وبحجم مناسب، يمكن أن يقل اعتماد السوق على بنية تحتية موجودة خارج الاقتصاد، كما يمكن أن تصبح الدولة موقعًا لاستضافة وتشغيل خدمات تخدم أسواقًا أخرى.
وهنا ينتقل مركز البيانات من كونه مبنى يحتوي خوادم إلى أصل اقتصادي يمكن أن يجذب شركات واستثمارات وخدمات رقمية مرتبطة به.
لكن امتلاك الحوسبة وحده لا يصنع اقتصاد ذكاء اصطناعي.
الطبقة الثانية: النموذج
فوق البنية التحتية تأتي النماذج التي تستفيد من هذه القدرة الحاسوبية.
وهنا تظهر قضية مختلفة: هل يكفي استخدام نموذج عالمي كما هو، أم تحتاج الأسواق إلى نماذج أكثر فهمًا للغة والثقافة والسياق المحلي؟
الشراكة بين HUMAIN وAdobe تقدم مثالًا على ذلك من خلال تطوير نموذج لتوليد الصور مصمم للتعامل مع السياق الثقافي السعودي والأوامر باللغة العربية.
هذه النقطة مهمة اقتصاديًا؛ لأن قيمة الذكاء الاصطناعي لا تأتي فقط من قدرته التقنية، بل من مدى ملاءمة مخرجاته للمستخدم الذي سيستفيد منه.
فنموذج قوي عالميًا قد يكون أقل فاعلية إذا لم يفهم اللغة أو السياق الثقافي أو احتياجات السوق الذي يعمل فيه.
ومن هنا يصبح توطين الذكاء الاصطناعي مختلفًا عن مجرد استيراد برنامج واستخدامه.
الطبقة الثالثة: المستخدم
حتى أفضل بنية تحتية وأقوى نموذج لا يخلقان قيمة اقتصادية إذا لم يستخدمهما أحد.
وهنا تأتي أهمية الرقم الآخر في شراكة Adobe: أكثر من 27 مليون مواطن ومقيم مؤهل بعمر 13 عامًا فأكثر يُخطط لإتاحة Adobe Firefly Standard وميزات Adobe Express Premium لهم لمدة 12 شهرًا.
الفكرة الاقتصادية هنا تتجاوز الاشتراك المجاني.
خفض تكلفة الوصول إلى التقنية يمكن أن يخفض ما يسمى حاجز التبني.
فالفرد الذي لم يكن مستعدًا للدفع لتجربة أدوات الذكاء الاصطناعي قد يبدأ باستخدامها عندما تصبح متاحة، والشركة الصغيرة قد تدخل التقنية إلى عملياتها، والطالب قد يكتسب مهارة جديدة، والمبدع قد يستخدمها لزيادة إنتاجيته.
وكلما اتسعت قاعدة المستخدمين، ارتفعت احتمالية تحول التقنية من تجربة محدودة إلى أداة تدخل في النشاط الاقتصادي اليومي.
ماذا يعني رقم 4 مليارات دولار؟
أعلنت Adobe أن قيمة التزامها ضمن الشراكة تتجاوز 4 مليارات دولار.
لكن من المهم فهم الرقم بشكل صحيح.
هذا الرقم لا يعني بالضرورة ضخ 4 مليارات دولار نقدًا في مشروع أو بناء أصول بالقيمة نفسها، بل يمثل القيمة التي تنسبها الشركة إلى التزامها ضمن البرنامج، والذي يتضمن إتاحة خدماتها وأدواتها لملايين المستخدمين.
وهذه نقطة مهمة في قراءة الإعلانات الاقتصادية عمومًا:
قيمة الاتفاقية، وقيمة الخدمات المقدمة، وحجم الاستثمار الرأسمالي ليست بالضرورة الشيء نفسه.
فالتمييز بينها يساعد على فهم الأثر الاقتصادي الحقيقي بدل الاكتفاء بحجم الرقم المعلن.
الطبقة الرابعة: رأس المال البشري
هناك عنصر آخر لا يمكن شراؤه بمجرد إنشاء مركز بيانات: المعرفة.
ولهذا تتضمن خطط التعاون نقل الخبرات وبناء القدرات الوطنية والتدريب.
السبب بسيط: كلما امتلك الاقتصاد مهندسين ومطورين وباحثين قادرين على بناء التقنيات وتشغيلها وتحسينها، أصبح جزء أكبر من القيمة المضافة مرتبطًا بالاقتصاد المحلي.
فالفرق كبير بين اقتصاد يستهلك خدمات الذكاء الاصطناعي واقتصاد توجد داخله الكفاءات التي تطور وتشغل وتصدر هذه الخدمات.
وهنا تظهر أهمية التدريب ليس باعتباره جانبًا اجتماعيًا منفصلًا عن الاستثمار، بل كجزء من رأس المال الذي يحتاجه القطاع حتى ينمو.
المنظومة أهم من التقنية الواحدة
يمكن النظر إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي كسلسلة مترابطة:
مراكز البيانات توفر الحوسبة،
والحوسبة تشغل النماذج،
والنماذج تمكّن التطبيقات،
والتطبيقات تحتاج إلى مستخدمين،
والمستخدمون والشركات يحتاجون إلى المهارات للاستفادة منها.
إذا غابت إحدى هذه الحلقات، تقل القيمة التي يمكن استخراجها من الحلقات الأخرى.
فمركز بيانات بلا تطبيقات يظل قدرة غير مستغلة بالكامل، ونموذج متقدم بلا مستخدمين لا يولد أثرًا اقتصاديًا واسعًا، وإتاحة الأدوات بلا مهارات قد لا تؤدي إلى زيادة حقيقية في الإنتاجية.
ولهذا فإن السؤال الأهم عند تقييم استثمارات الذكاء الاصطناعي ليس فقط: كم مليارًا تم الإعلان عنه؟
بل:
كم قدرة حاسوبية ستُبنى؟
وكم منها سيُستخدم فعليًا؟
وكم نموذجًا أو منتجًا سيُطوّر فوقها؟
وكم شركة ستتبنى هذه التقنيات؟
وكم مهارة ووظيفة وقيمة مضافة ستنشأ نتيجة لذلك؟
هنا تظهر الصورة الأكبر.
فالسباق في الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بمن يمتلك تطبيقًا أكثر تطورًا فقط، بل بمن يستطيع بناء السلسلة التي تحول القدرة الحاسوبية إلى معرفة، والمعرفة إلى تطبيق، والتطبيق إلى إنتاجية وقيمة اقتصادية.
التعليقات (1)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!