حين يتباطأ الاقتصاد، يستطيع المستهلك تأجيل شراء سيارة، أو الانتقال إلى منزل أكبر، أو استبدال الأثاث. لكن وجبة العشاء لا تدخل عادةً قائمة المشتريات المؤجلة. هذه الحقيقة البسيطة هي الأساس الاقتصادي وراء واحدة من أهم خصائص صناعة الأغذية: الطلب عليها أكثر ثباتاً من قطاعات كثيرة أخرى. وفي السعودية، يضاف إلى هذا الاستقرار نمو سكاني وتوسع صناعي يجعلان الطعام ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل فئة أصول تلفت انتباه المستثمر والممول معاً.
ليس من الصعب أن نفهم لماذا يحب الناس الطعام. الأصعب قليلاً هو فهم لماذا قد يحبه المستثمرون.
بالنسبة إلى مدير محفظة أو بنك أو ممول، لا تكمن جاذبية مصنع الحليب أو شركة المخبوزات في أن منتجاتهما مثيرة. فالاستثمارات الأكثر إثارة عادة توجد في التكنولوجيا أو العقارات أو المشروعات العملاقة.
ميزة الطعام أكثر هدوءاً: الناس يستمرون في شرائه عندما تسوء الظروف الاقتصادية.
في لغة الأسواق، تسمى هذه الخاصية الطلب الدفاعي. والمقصود بـ«دفاعي» ليس أن القطاع لا يخسر أو أن أسهم شركاته لا تنخفض، بل أن الطلب الأساسي على منتجاته يميل إلى مقاومة التقلبات الاقتصادية أكثر من السلع التي يمكن للمستهلك الاستغناء عنها أو تأجيلها.
ويضع تقرير «صناعة الأغذية في المملكة العربية السعودية» هذه الخاصية في قلب الجاذبية الاستثمارية للقطاع؛ فالسوق تقدر بنحو 200 مليار ريال، وتضم أكثر من 1,900 مصنع، فيما يتجاوز عدد الوظائف المباشرة 120 ألفاً. لكن قوة القطاع لا تأتي من الحجم وحده، بل من طبيعة الطلب الذي يقف خلفه.
السيارة تستطيع الانتظار.. الحليب أقل قدرة على ذلك
لنفترض أن أسرة ما تعرض دخلها لضغط مفاجئ.
قد تؤجل شراء سيارة جديدة سنة أخرى. وقد تتراجع عن تغيير الأثاث. وربما تؤجل شراء منزل، خصوصاً إذا ارتفعت أسعار الفائدة وأصبحت الأقساط أكثر كلفة.
لكن الإنفاق على الغذاء لا يمكن أن ينخفض بالطريقة نفسها.
يمكن للأسرة أن تتحول من مطعم أغلى إلى أرخص، ومن علامة تجارية مميزة إلى بديل اقتصادي، أو تقلل من بعض الكماليات الغذائية. لكنها لن تخفض استهلاك الطعام إلى الصفر.
هذه الخاصية ترتبط بمفهوم اقتصادي يسمى مرونة الطلب.
ببساطة، المرونة تقيس مقدار تغير ما يشتريه الناس عندما يتغير السعر أو الدخل. وكلما كان المنتج ضرورياً، كانت قدرة المستهلك على التخلي عنه أقل.
ولهذا يوصف الطلب على كثير من الأغذية بأنه قليل المرونة نسبياً.
إذا انخفض الدخل 10% مثلاً، فهذا لا يعني أن الأسرة ستأكل أقل بـ10%. أما في سلعة مثل السيارات أو الأثاث، فقد يتراجع الشراء بشدة لأن المستهلك يستطيع الانتظار.
ومن هذه الفجوة الصغيرة تبدأ قصة الاستثمار.
ما يهم المستثمر ليس المبيعات فقط.. بل القدرة على توقعها
يمكن لشركة عقارية أن تمر بفترة ازدهار هائلة عندما تكون الفائدة منخفضة والسيولة وفيرة، ثم تواجه تباطؤاً حاداً عندما ترتفع تكلفة التمويل.
ويمكن لمبيعات السيارات أن تستفيد من سنوات نمو الدخل، ثم تتراجع عندما تصبح الأسر أكثر حذراً.
أما الأغذية، فعادة ما تتحرك ضمن نطاق أضيق.
بالنسبة إلى المستثمر، لهذا قيمة كبيرة.
كلما أمكن توقع المبيعات بدرجة أفضل، أصبح من الأسهل توقع التدفقات النقدية. وكلما أصبحت التدفقات النقدية أكثر انتظاماً، أصبح من الأسهل تمويل الشركة، وتسعير ديونها، والتخطيط لمصانعها ومخزونها وتوزيعاتها.
لهذا لا يحب المستثمرون الغذاء لأنه يحقق دائماً أعلى نمو.
أحياناً يحبونه تحديداً لأنه لا يحتاج إلى أعلى نمو كي يكون مفيداً داخل المحفظة.
ففي الاستثمار، يمكن للاستقرار أن يكون منتجاً مالياً قائماً بذاته.
السعودية تضيف عنصراً آخر: السوق نفسها تنمو
الجاذبية الدفاعية موجودة في معظم أسواق الغذاء، لكن السوق السعودية تضيف إليها عاملاً مهماً.
قاعدة المستهلكين نفسها ما زالت تتوسع.
يستند التقرير إلى تعداد سكاني يبلغ نحو 35.3 مليون نسمة في 2025، مع توقعات باقتراب العدد من 40 مليوناً بحلول 2030. كما أن المجتمع شاب، إذ يشكل من هم دون الثلاثين نحو 63% من المواطنين، بينما يعيش قرابة 92% من السكان في المدن.
وهذا يخلق مزيجاً غير معتاد:
طلب ضروري يصعب الاستغناء عنه + عدد أكبر من المستهلكين + تغير مستمر في ما يستهلكونه.
لذلك لا تراهن شركات الغذاء في المملكة على أن يأكل الشخص نفسه أكثر فقط. بل على دخول مستهلكين إضافيين إلى السوق، وانتقال الإنفاق إلى منتجات ذات قيمة أعلى، مثل الأغذية الصحية والمجمدات والوجبات الجاهزة والقهوة المختصة.
وهنا يتحول القطاع من قصة «دفاعية» بحتة إلى مزيج من الدفاع والنمو.
المراعي تقدم مثالاً لما يبحث عنه رأس المال
الأرقام المالية لشركة المراعي تساعد على تفسير الفكرة.
وفق التقرير، تجاوزت إيرادات الشركة 21 مليار ريال في 2025، بينما بلغ صافي الربح 2.456 مليار ريال، بزيادة تقارب 6% عن العام السابق.
لكن الرقم المهم ليس الربح وحده.
فالمراعي تبيع مجموعة واسعة من المنتجات التي تدخل في الإنفاق اليومي المتكرر: الألبان، والعصائر، والمخبوزات، والدواجن، وغيرها.
وهذا يعني أن الشركة لا تنتظر شراءً استثنائياً يقوم به المستهلك مرة كل بضع سنوات. العلاقة أقرب إلى سلسلة من المشتريات الصغيرة المتكررة ملايين المرات.
هذه الطبيعة هي أحد أسرار شركات السلع الاستهلاكية.
فسعر العبوة منخفض نسبياً، لكن تكرار الشراء مرتفع.
وعندما تجتمع علامة تجارية قوية مع شبكة توزيع ضخمة ومبيعات متكررة، يصبح لدى الشركة ما يحبه المستثمرون والمقرضون معاً: تدفق نقدي يمكن رؤيته بدرجة أفضل.
وسدافكو تشرح لماذا لا يحتاج الدفاع إلى الحجم وحده
تقدم سدافكو نموذجاً مختلفاً.
فبحسب التقرير، سجلت في 2025 هامش ربح إجمالياً يبلغ 34.6% وهامشاً صافياً يقارب 15%، مع صافي ربح بلغ 477.4 مليون ريال ورصيد نقدي تجاوز 670 مليون ريال.
سر النموذج ليس امتلاك أكبر محفظة في السوق، بل التركيز على عدد محدود من الفئات وإدارة اقتصادياتها بكفاءة، ومن بينها الحليب طويل الأجل الذي لا يحتاج إلى سلسلة تبريد مكلفة بالطريقة نفسها التي يحتاجها الحليب الطازج.
هذه حالة مهمة لأن «قطاع دفاعي» لا تعني أن كل شركة داخله جيدة بالضرورة.
الطلب المستقر يعطي الشركات أرضية أفضل، لكن ما يحول تلك الأرضية إلى عائد للمساهمين هو الهامش، والتسعير، وكفاءة التشغيل، وقوة العلامة، وإدارة رأس المال.
فالخبز سلعة ضرورية، لكن مصنعاً سيئ الإدارة يظل مصنعاً سيئ الإدارة.
لماذا يهم الطعام البنوك أيضاً؟
الموضوع لا يقتصر على مشتري الأسهم.
بالنسبة إلى البنك أو المستثمر في الصكوك، السؤال الأساسي مختلف قليلاً: هل تستطيع الشركة توليد النقد الذي يكفي لسداد الدين في مواعيده؟
هنا تصبح الطبيعة الدفاعية للغذاء جذابة مرة أخرى.
يصف التقرير دورة رأس المال العامل في شركات الأغذية بأنها قصيرة ومتكررة: تشتري الشركة المواد الخام، تصنع المنتج، تبيعه، ثم تعيد الدورة خلال فترة قصيرة نسبياً.
و«رأس المال العامل» هو المال الذي تحتاجه الشركة لتمويل نشاطها اليومي قبل أن تحصل على قيمة مبيعاتها؛ مثل شراء الحبوب أو الزيوت أو العبوات ودفع أجور التشغيل ثم انتظار تحصيل الإيرادات.
كلما تكررت هذه الدورة بانتظام، كان لدى الممول رؤية أوضح للحركة النقدية.
وفوق ذلك، تمتلك صناعة الغذاء أصولاً ملموسة يمكن تمويلها: مصانع، وخطوط إنتاج، ومستودعات مبردة، وأساطيل نقل.
ولهذا يرى التقرير ملاءمة القطاع لمجموعة واسعة من أدوات التمويل الإسلامي، من المرابحات لشراء المدخلات إلى الإجارة للأصول والصكوك لتمويل التوسعات الكبرى. بل يشير إلى أن المراعي كانت من أوائل الشركات السعودية غير المصرفية التي استخدمت إصدارات الصكوك بمليارات الريالات.
السبب ليس دينياً أو هيكلياً فقط.
هناك منطق ائتماني أيضاً: طلب متكرر + أصول ملموسة + تدفقات نقدية مستقرة نسبياً.
لكن الطعام ليس سنداً حكومياً
الجاذبية الدفاعية لها حدود.
إذا استمر الناس في شراء الغذاء، فهذا لا يعني أن أرباح الشركات محمية من الصدمات.
قد يرتفع سعر القمح أو السكر أو الزيوت أو الأعلاف. وقد ترتفع تكلفة الطاقة والنقل والتبريد. وقد لا تتمكن الشركة من تمرير الزيادة كاملة إلى المستهلك.
والنتيجة: تظل المبيعات موجودة، لكن الهامش ينكمش.
وهذا فرق جوهري.
في 2025، على سبيل المثال، أفصحت المراعي عن أثر يقدره التقرير بنحو 200 مليون ريال نتيجة ارتفاع أسعار الديزل. وفي قطاع يعتمد على نقل منتجات يومية عبر شبكة واسعة، تصبح الطاقة جزءاً مباشراً من معادلة الربحية.
كما أن السعودية تستورد كميات مهمة من الحبوب والأعلاف والزيوت وغيرها من المدخلات، ما يربط تكلفة المنتج المحلي بأسواق السلع العالمية.
لذلك فإن الطلب الدفاعي يحمي الإيرادات أكثر مما يضمن الأرباح.
وهذه نقطة مهمة لأي مستثمر.
يمكن للمستهلك ألا يتوقف عن الأكل.. لكنه يستطيع تغيير ما يأكله
هناك أيضاً خطر آخر أكثر خفاءً.
الحاجة إلى الغذاء ثابتة، لكن الولاء للمنتج ليس كذلك.
في فترات الضغط المالي، يستطيع المستهلك أن ينتقل من علامة غالية إلى علامة خاصة بالسوبرماركت. وعندما تتغير الثقافة الغذائية، يمكن أن ينتقل من المشروبات السكرية إلى خيارات صحية، أو من مطعم تقليدي إلى تطبيق توصيل جديد، أو من فئة غذائية كاملة إلى أخرى.
ويستخدم التقرير تجربة «هرفي» لتوضيح جانب من ذلك. فالشركة واجهت خسائر منذ 2022 مع اشتداد المنافسة وتحول جزء من الطلب نحو التوصيل، قبل أن تظهر مؤشرات تحسن في 2026.
وهنا تظهر مفارقة مهمة:
الطلب على الطعام قد يكون دفاعياً، لكن الطلب على شركة طعام بعينها ليس كذلك.
يمكن للقطاع أن يبقى قوياً بينما تخسر شركة حصتها.
وهذا هو السبب في أن المستثمر المحترف لا يكتفي بالسؤال: «هل يبيع هذا النشاط سلعة ضرورية؟»
بل يسأل: «هل يبيع السلعة الضرورية بالطريقة التي يريدها المستهلك الآن؟»
الغذاء مقابل العقار والسيارات: الفرق في توقيت الإنفاق
المقارنة مع العقار والسيارات تساعد على تبسيط المسألة.
شراء منزل أو سيارة عادة قرار كبير، يحتاج إلى تمويل، ويتأثر بشدة بأسعار الفائدة والثقة الاقتصادية والدخل المتوقع. إذا ارتفعت تكلفة الاقتراض، يمكن للمستهلك ببساطة أن يؤجل القرار.
أما مشتريات الغذاء فهي أصغر وأكثر تكراراً.
ولا تحتاج الأسرة إلى اجتماع مالي لاتخاذ قرار بشراء الحليب صباحاً.
هذه الطبيعة تمنح قطاع الغذاء حساسية أقل نسبياً للدورة الاقتصادية، لكنها لا تلغيها. ففي الركود قد يتراجع تناول الطعام خارج المنزل، أو تتحول الأسر إلى منتجات أقل سعراً، في حين تبقى الكميات الأساسية أكثر ثباتاً.
وهذا يفسر أيضاً لماذا لا ينبغي التعامل مع «الأغذية» كقطاع واحد متجانس.
الدقيق والحليب ليسا مثل القهوة المختصة. والسوبرماركت ليس مثل مطعم فاخر. والخبز ليس مثل مشروب مرتفع السعر.
كلما اقترب المنتج من الضرورة اليومية، ازدادت عادة خصائصه الدفاعية. وكلما اقترب من التجربة أو الترف، زادت حساسيته للدخل.
المستثمر يبحث عن الملل المربح
في الأسواق المالية، توجد شركات تجذب الانتباه لأنها قد تضاعف إيراداتها سريعاً. وهناك شركات أخرى تجذب رأس المال لأنها قادرة على فعل شيء أقل إثارة لكنه بالغ القيمة: بيع المنتج نفسه، كل يوم، لملايين الأشخاص، ثم تكرار ذلك في اليوم التالي.
صناعة الغذاء تنتمي غالباً إلى الفئة الثانية.
وفي السعودية، يضيف نمو السكان وسياسات التوطين والتوسع الصناعي بعداً آخر لهذه القصة. فالقطاع الذي يقدره التقرير بنحو 200 مليار ريال لا يقوم فقط على طلب مستقر، بل على محاولة نقل مزيد من القيمة إلى المصانع المحلية، مع استهداف توطين 85% من الصناعات الغذائية بحلول 2030.
ولهذا يمكن فهم جاذبية الغذاء للمستثمر من خلال معادلة بسيطة:
الناس لا يتوقفون عن الأكل، والمبيعات تتكرر بسرعة، والسوق السعودية نفسها ما زالت تكبر.
لكن العبارة تحتاج دائماً إلى سطر ثانٍ.
فالطعام قد يكون دفاعياً، أما الربح فليس كذلك.
ومن يفوز في هذا القطاع ليس من يبيع شيئاً يحتاجه الناس فحسب، بل من يستطيع شراء مدخلاته بكفاءة، وإدارة مصنعه ومخزونه وتوزيعه، وحماية هامشه، ثم إقناع المستهلك بأن يشتري منه هو — مرة بعد مرة.
وهذا، في النهاية، هو ما يحبه المستثمر أكثر من الطعام نفسه: إيراد يمكن أن يعود غداً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!