قبل عقود قليلة، كان السؤال الذي يواجه السعودية بسيطاً وقاسياً: كيف تطعم بلداً صحراوياً سريع النمو؟ اليوم تغيّر السؤال. فالمملكة لا تريد فقط تأمين غذائها، بل تحويله إلى صناعة تصديرية، وسلسلة قيمة، وأداة للتنويع الاقتصادي. وبين السؤالين تختبئ واحدة من أكثر قصص التحول الصناعي السعودي إثارة للاهتمام.

قبل أقل من قرن، لم تكن «صناعة الغذاء» في السعودية صناعة بالمعنى الحديث للكلمة. كان الغذاء انعكاساً مباشراً لما تسمح به الجغرافيا: تمر الواحات، وحليب الإبل والمواشي، وحبوب محدودة في المرتفعات، وأسماك على السواحل. وكانت المسافة بين المنتج والمستهلك قصيرة، فيما تحدد الأمطار والفصول وقوافل التجارة ما يصل إلى المائدة ومتى يصل.

اليوم يبدو المشهد مختلفاً إلى حد يصعب معه رؤية الصلة بين الصورتين. يقدَّر حجم قطاع الصناعات الغذائية السعودي بنحو 200 مليار ريال، ويضم أكثر من 1,900 مصنع، ويوفر أكثر من 120 ألف وظيفة مباشرة. وتجاوزت الاستثمارات المتراكمة في صناعة المنتجات الغذائية 110 مليارات ريال، إضافة إلى نحو 26.8 مليار ريال في صناعة المشروبات. أما صادرات الأغذية فبلغت 15 مليار ريال في 2025.

لكن الرقم الأهم ليس 200 مليار ريال. الأهم هو كيف وصلت السعودية إليه.

عندما قلب النفط معادلة الطعام

بدأ التحول الكبير مع النفط، لكن ليس بالطريقة المباشرة التي قد توحي بها العبارة.

فارتفاع الدخول، واتساع المدن، وتسارع النمو السكاني، حوّل مشكلة الغذاء من مشكلة إنتاج محلي محدود إلى تحدٍّ استراتيجي لدولة حديثة تنمو بوتيرة عالية. المدن التي كانت تضم عشرات الآلاف أصبحت تضم الملايين. والمستهلك الذي كان يشتري ما توفره البيئة المحلية صار قادراً على شراء منتجات من كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، صنع النفط القدرة على شراء الغذاء، لكنه صنع أيضاً طلباً غذائياً أكبر بكثير.

وهكذا أصبح الاستيراد حلاً طبيعياً. إلا أن الاعتماد على الخارج طرح سؤالاً لم يكن اقتصادياً فقط: ماذا يحدث إذا تعطلت الأسواق العالمية أو ارتفعت الأسعار أو قررت الدول المصدرة الاحتفاظ بغذائها؟

من هنا بدأت السعودية رحلة طويلة للبحث عن توازن بين ثلاثة أشياء لا تنسجم دائماً بسهولة: الأمن الغذائي، وشح المياه، والكفاءة الاقتصادية.

القمح: نجاح كشف مشكلة

في السبعينيات والثمانينيات، اختارت المملكة جواباً مباشراً على معضلة الغذاء: زيادة الإنتاج المحلي.

قدمت الدولة دعماً سخياً للزراعة، ولا سيما القمح، حتى تحولت السعودية في مفارقة لافتة إلى مصدر للقمح خلال الثمانينيات.

من زاوية الأمن الغذائي، كان الإنجاز مثيراً للإعجاب. لكن الاقتصاد لا يحاسب المنتجات بالكيلوغرام فقط؛ يحاسب أيضاً الموارد المستخدمة لإنتاجها.

والقمح يحتاج إلى الماء.

في بلد تعد المياه فيه مورداً نادراً، كشف نجاح زراعة القمح عن مشكلة أكبر: يمكن للدولة أن تحقق اكتفاءً ذاتياً من سلعة ما، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن إنتاجها المحلي هو الاستخدام الأمثل للموارد.

هذه اللحظة ساعدت على تغيير فلسفة الأمن الغذائي السعودي لاحقاً. لم يعد السؤال: كم نستطيع أن ننتج داخل الحدود؟ بل أصبح: ما الذي ينبغي أن ننتجه داخل الحدود؟

والفرق بين السؤالين كبير.

المصنع بدلاً من الحقل

بالتوازي مع التجربة الزراعية، كانت ثورة أكثر استدامة تنمو بعيداً عن الحقول: التصنيع الغذائي.

تأسست المراعي في عام 1977، وصعدت شركات مثل صافولا وسدافكو، فيما تعود جذور حلواني إخوان إلى منتصف القرن الماضي. ومع الزمن، لم تعد المسألة إنتاج حليب أو زيت أو سكر فحسب. بدأت تتشكل منظومة متكاملة من المصانع والعلامات التجارية والتعبئة والتبريد والمستودعات والأساطيل ونقاط البيع.

وهنا حدث تحول اقتصادي مهم.

فالزراعة تبيع المادة الخام في الغالب. أما الصناعة فتبيع القيمة المضافة.

ليتر الحليب ليس مجرد حليب عندما يدخل مصنعاً ويحمل علامة تجارية ويعبأ ويبرد ويوزع في آلاف المتاجر. والتمر الخام ليس هو نفسه علبة تمور فاخرة موجهة للتصدير. والحبوب ليست المنتج النهائي عندما تتحول إلى دقيق ثم مخبوزات ثم علامة تجارية.

وهكذا انتقلت السعودية تدريجياً من محاولة إنتاج الغذاء إلى محاولة امتلاك أكبر قدر ممكن من القيمة الموجودة حوله.

وهذه، أكثر من أي شيء آخر، هي قصة الصناعة الغذائية الحديثة.

أزمة 2008 تغيّر معنى الأمن الغذائي

ثم جاءت أزمة الغذاء العالمية في 2008.

حينها اكتشفت دول مستوردة كثيرة أن امتلاك المال لا يضمن دائماً الحصول على السلعة. عندما ترتفع الأسعار بشدة، أو تفرض الدول قيوداً على صادراتها، تصبح السوق العالمية أقل اطمئناناً مما تبدو عليه في الأوقات العادية.

بالنسبة إلى السعودية، ساهمت الصدمة في دفع مفهوم جديد للأمن الغذائي.

وفي 2009 تأسست الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني «سالك» لتكون ذراعاً استثمارية تؤمّن جزءاً من سلاسل الإمداد من الخارج.

وهنا ظهرت معادلة أكثر براعة من السعي إلى الاكتفاء الكامل:

أنتج محلياً ما توجد فيه ميزة أو ضرورة استراتيجية، واستورد أو استثمر خارجياً في المنتجات التي يستهلك إنتاجها المحلي موارد نادرة.

ولهذا تبدو المنظومة الغذائية السعودية للوهلة الأولى متناقضة، لكنها ليست كذلك.

فالمملكة تحقق مستويات مرتفعة جداً من الاكتفاء في الألبان والبيض والتمور، وتتوسع في الدواجن، لكنها تستورد الحبوب والأعلاف والزيوت الخام والسكر الخام، كما تستثمر خارجياً في أصول زراعية ومصادر إمداد.

الاستيراد هنا ليس اعترافاً بالفشل. في بعض الأحيان هو جزء من الاستراتيجية.

الألبان تكشف المفارقة السعودية

ربما لا توجد صناعة تختصر هذه القصة مثل الألبان.

تقول بيانات التقرير إن المملكة تحقق اكتفاءً ذاتياً من منتجات الألبان يبلغ نحو 129%، أي أنها تنتج أكثر من حاجتها المحلية وتصدر جزءاً من الفائض.

وجود فائض ألبان في بلد صحراوي يبدو للوهلة الأولى مفارقة. لكنه نتيجة نموذج صناعي شديد التنظيم: مزارع واسعة، تصنيع متكامل، سلاسل تبريد، أساطيل توزيع وعلامات تجارية قوية.

وهو يوضح أيضاً لماذا لا يكفي قياس الصناعة الغذائية بما يخرج من المزرعة. ففي اقتصاد الغذاء الحديث، القدرة على معالجة المنتج وحفظه ونقله وتسويقه قد تكون أهم من إنتاج المادة الخام نفسها.

والسعودية، حيث تتجاوز الحرارة صيفاً 45 درجة مئوية، جعلت من سلسلة التبريد جزءاً أساسياً من بنيتها الصناعية. فالمنتج الغذائي لا قيمة له اقتصادياً إذا لم يصل صالحاً إلى المستهلك.

جيل جديد يغير المائدة مرة أخرى

التحول المقبل لن تصنعه المصانع وحدها. سيصنعه المستهلك.

يبلغ عدد سكان المملكة، وفق الأرقام التي يستخدمها التقرير لعام 2025، نحو 35.3 مليون نسمة، ويعيش قرابة 92% منهم في المدن. ويشكل من هم دون سن الثلاثين نحو 63% من المواطنين.

هذه الأرقام لا تهم شركات الغذاء بوصفها إحصاءات سكانية، بل بوصفها توقعاً للطلب.

فالمستهلك الشاب الحضري لا يأكل بالطريقة نفسها التي أكل بها الجيل السابق. الوقت أكثر ندرة، والعمل خارج المنزل أكثر انتشاراً، والهاتف أصبح قناة شراء، والصحة أصبحت جزءاً أكبر من قرار الاستهلاك.

ولهذا تنمو الوجبات الجاهزة والمجمدات والتوصيل والبقالة الإلكترونية والقهوة المختصة والمنتجات عالية البروتين والأغذية الصحية.

المائدة السعودية نفسها تتغير.

وهذا يعني أن الفصل المقبل من قصة الغذاء لن يدور فقط حول إنتاج المزيد، بل حول إنتاج أشياء مختلفة.

من سد الحاجة إلى صناعة للتصدير

هنا تصل القصة إلى أكثر تحولاتها أهمية.

فلسنوات طويلة، كان نجاح السياسة الغذائية يقاس بقدرتها على منع النقص. أما اليوم، فأصبح الطموح أكبر: أن يكون الغذاء قطاعاً صناعياً وتصديرياً ضمن مسار تنويع الاقتصاد.

بلغت صادرات الأغذية 15 مليار ريال في 2025. وتصل التمور السعودية إلى أكثر من 125 دولة، فيما تصدر منتجات الألبان إلى أسواق المنطقة.

وتستهدف المملكة توطين 85% من الصناعات الغذائية، إلى جانب تطوير تجمع غذائي كبير يستهدف 800 مصنع باستثمارات تبلغ نحو 20 مليار ريال بحلول 2035.

وهذه الأهداف تكشف تغيراً في التفكير.

فالأمن الغذائي، في مرحلته الأولى، كان يعني ضمان وجود الطعام.

أما في مرحلته الجديدة، فيعني شيئاً أعقد: بناء مصانع، وتطوير شركات، وخلق وظائف، وتمويل سلاسل الإمداد، وإحلال بعض الواردات، ثم البحث عن أسواق خارجية.

أي أن الطعام انتقل من ملف الأمن إلى ملف السياسة الصناعية.

الصحراء لم تختفِ

ومع ذلك، سيكون من الخطأ قراءة قصة الغذاء السعودية باعتبارها انتصاراً نهائياً على الجغرافيا.

الصحراء ما زالت هناك، وكذلك شح المياه. وكثير من المواد الخام ما زال يأتي من الخارج. وأسعار السلع العالمية والطاقة والشحن قادرة على الضغط على هوامش الشركات. كما أن التغير المناخي واضطرابات طرق التجارة تذكّر باستمرار بأن الأمن الغذائي ليس حالة يمكن إعلان اكتمالها.

لكن ربما كان أهم ما تغير هو أن السعودية لم تعد تحاول تجاهل هذه القيود.

بل بنت نموذجها الحديث حولها.

فهي لا تسعى إلى زراعة كل ما تأكله، بل إلى السيطرة على أكبر قدر ممكن من سلسلة القيمة: تستورد حيث يكون الاستيراد أكثر منطقية، تنتج حيث تمتلك ميزة، تستثمر خارجياً حيث تحتاج إلى تأمين الإمداد، وتصنع محلياً عندما تستطيع إضافة قيمة.

ولهذا فإن المسافة بين واحة التمر ومصنع الغذاء الحديث ليست مجرد قصة عن ارتفاع الدخل أو النمو السكاني.

إنها قصة عن تعلم اقتصادي استغرق عقوداً.

قبل نصف قرن، كان السؤال السعودي: كيف ننتج ما يكفي لنأكل؟

أما السؤال الذي سيحدد العقد المقبل فهو مختلف تماماً:

كم من القيمة الموجودة على المائدة يمكن أن تصنعها السعودية بنفسها — ثم تبيعها للعالم؟