سنوات طويلة والأسواق المالية وصناديق التمويل الجريء تُغرق تطبيقات الهواتف ومنصات البرمجيات الخفيفة برؤوس الأموال؛ نظراً لسهولة تأسيسها وقابليتها للنمو المتسارع. لكن المشهد المالي يعيد تشكيل أولوياته اليوم بصورة جذريّة؛ حيث تتراجع جاذبية الحلول الرقمية السطحية لصالح ما يُعرف بـ "التقنيات الصلبة" (Hard Tech / Deep Tech). فكيف أصبحت أبحاث المختبرات والمكونات المادية المعقدة الملاذَ الاستثماري المفضّل في زمن التحولات الجيوسياسية والصناعية؟
انكشاف "البرمجيات الخفيفة": من هوس النمو إلى فخ سهولة النسخ
في العقود الأخيرة، ارتكز التمويل الجريء على الاستثمار في شركات البرمجيات استناداً إلى انخفاض تكاليفها المادية وهوامش أرباحها العالية.
غير أن الاقتصاد التحليلي لهذا القطاع يكشف عن ثغرة استراتيجية؛ إذ إن سهولة تطوير التطبيقات والحلول السحابية جعلت حاجز الدخول (Barrier to Entry) منخفضاً جداً. أدى ذلك إلى اشتداد المنافسة، وظاهرة "حرق السيولة" للاستحواذ على العملاء، وسهولة نسخ أفكار الشركات من قِبل منافسين آخرين خلال أشهر معدودة. ومع تصاعد قدرات الذكاء الاصطناعي على توليد الأكواد البرمجية وتطوير التطبيقات تلقائياً، تآكلت "الخندقية الاقتصادية" (Economic Moat) للشركات الناشئة القائمة على البرمجيات المباشرة.
القيمة الاستراتيجية للأصول المادية: خندقية الاختراع
على الضفة المقابلة، تُعنى "التقنيات الصلبة" بتطوير حلول تدمج الهندسة المتقدمة، والفيزياء، والتكنولوجيا الحيوية، وأشباه الموصلات، وتقنيات الطاقة.
التفسير المعرفي لصمود هذا القطاع نسبياً يكمن في صعوبة الهندسة ومناعة الملكية الفكرية. فبحسب تقرير بوسطن كونسلتنغ غروب، ارتفعت حصته من إجمالي تمويل رأس المال الجريء من 12% في 2014 إلى 24% في 2023 — وإن كان التمويل المطلق قد تراجع في الفترة نفسها من 158 مليار دولار في 2021 إلى 79 ملياراً في 2023. الشركات التي تبني بطاريات صلبة ذات كفاءة أعلى، أو تصمِم رقائق حوسبة متقدمة، أو تطور أجهزة طبية حيوية، تخلق أصولاً استراتيجية يُستحيل نسخها تجارياً بسهولة. وعلى الرغم من أن هذه الشركات تتطلب رأس مال رأسمالي (Capex) كبيراً ودورة تطوير أطول، إلا أنها بمجرد نضجها تضمن سيطرة شبه كاملة على السوق وحماية عالية لمواردها المالية، مما يمنحها تقييمات استثمارية استثنائية.
البعد الاستثماري المحلي: الاستفادة من تجارب العالم
بالانتقال إلى الاقتصاد السعودي، يتناغم هذا التحول العالمي بشكل مباشر مع توجهات صندوق الاستثمارات العامة والصناديق الوطنية التي تبتعد عن مجرد دعم التطبيقات الاستهلاكية اليومية، وتركز على توطين الصناعات المتقدمة.
استثمارات المملكة في قطاعات أشباه الموصلات، والطاقة المتجددة، وتصنيع السيارات الكهربائية عبر شركات مثل "سير" (Ceer)، وتأسيس الشركات التقنية العميقة، تدل على فهم عميق لهذه المعادلة الماليّة. فالاعتماد على التكنولوجيا الصلبة لا يرفع نسبة المحتوى المحلي ويكفل الاستقلالية التقنية فحسب، بل يبني منظومة صناعية تخلق وظائف عالية المهارة وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) للقطاعات غير النفطية.
معادلة القيمة الجديدة
تشير دورات المال في الأسواق إلى أن الحد الفاصل لم يعد بين البرمجيات والعتاد، بل بين ما يسهل نسخه وما يحميه عمق بحثي وهندسي. فحتى داخل التقنية العميقة، تذهب 33% من التمويل إلى منصات رقمية. فالرهان الاستثماري القادم لم يعد على الشركات التي تبتكر أسرع طريقة لتوصيل الطلبات أو تنظيم المهام، بل على تلك التي تحل المشكلات المادية المعقدة للعالم الحقيقي في الطاقة، والتصنيع، والصحة.
التعليقات (7)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!