يشهد عالم الأعمال اليوم تحولات جذرية وسريعة، حيث تتداخل التغيرات الجيوسياسية والجيواقتصادية مع التطور التكنولوجي المتسارع لتعيد تشكيل مشهد المواهب وتخطيط القوى العاملة على مستوى العالم. وفي ضوء تقرير "الآفاق المستقبلية للرؤساء التنفيذيين للموارد البشرية" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (مايو 2026)، نلاحظ تحولاً جوهرياً في استراتيجيات المنظمات؛ إذ لم يعد التحدي يقتصر على استقطاب المواهب فحسب، بل امتد ليشمل التنقل عبر نظام بيئي معقد تتأثر فيه المهارات وحركة العمالة بقوى تتجاوز حدود الشركة. هذا التحول وسّع من دور "الرئيس التنفيذي للموارد البشرية" (CPO) لينتقل من مجرد إدارة المواهب داخلياً، إلى بناء أنظمة قوى عاملة مرنة وقادرة على التكيف مع الاضطرابات المستمرة.

يستعرض هذا المقال رؤى وتجارب تطبيقية لثلاثة من أبرز قادة الموارد البشرية في شركات عالمية رائدة (سيمنز، أرامكو، وسيسكو)، لتسليط الضوء على كيفية استجابة هذه المنظمات للتحديات الراهنة وبناء أنظمة عمل مستقبلية مستدامة.

شركة سيمنز (Siemens) - التكيف السريع وإعادة تصميم العمل للتعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

تؤكد السيدة "أنيت كراوس"، نائبة الرئيس التنفيذي للعلاقات الاجتماعية والصناعية والموارد البشرية في سيمنز، أن المرونة في العصر الحالي تعني "القدرة على التكيف". وتشدد على أن التحدي الأكبر لا يكمن في الاضطراب بحد ذاته، بل في سرعة وتداخل قوى التغيير المتمثلة في التسارع التكنولوجي، التشرذم الجيوسياسي، التحولات الديموغرافية، والفجوات المستمرة في المهارات.

في هذه البيئة، تصبح "القابلية للتوظيف" (Employability) هي العملة الحاسمة. وتبرز سيمنز استثمارها الضخم (مليار يورو) لنقل الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى العالم المادي، وهو ما يتجسد في وكيل الذكاء الاصطناعي الهندسي "إيغن" (Eigen) الذي ينفذ مهام معقدة مع إبقاء السيطرة البشرية الفعالة. هذا النموذج من "التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي" له تأثيرات إقليمية متباينة ولكنه حيوية:

  • في ألمانيا: يعوض التراجع الديموغرافي من خلال زيادة الإنتاجية، خاصة مع وجود مفارقة تتمثل في بطالة مرتفعة تقابلها مئات الآلاف من الوظائف الشاغرة في مجالات العلوم والتكنولوجيا (STEM).
  • في الولايات المتحدة: يدفع عجلة الإنتاجية في قطاع التصنيع الذي قد يحتاج إلى 3.8 مليون عامل بحلول عام 2033.
  • في الهند: يدمج قدرات الذكاء الاصطناعي في الأدوار التقنية والتصنيعية الناشئة المدفوعة بتغير تدفقات التجارة العالمية. وتخلص تجربة سيمنز إلى أن التنافسية تعتمد على ثلاث ركائز: توسيع نطاق المهارات بسرعة تفوق سرعة الاضطرابات، إعادة تصميم العمل لتعاون فعال بين الذكاء الاصطناعي والبشر، وبناء أنظمة بيئية قوية للمواهب المحلية مع العمل في أسواق عالمية.

شركة أرامكو (Aramco) - الجاهزية الاستباقية والرعاية الشاملة كركيزة للثقافة المؤسسية

من منظور مختلف يركز على الاستدامة والجاهزية، يوضح الأستاذ "فيصل الفهيد"، نائب الرئيس الأعلى للموارد البشرية في أرامكو، أن جاهزية القوى العاملة في الشركة ليست رد فعل للأحداث، بل هي مبدأ ثقافي راسخ مبني على عقود من التخطيط المنضبط للسيناريوهات.

تعتمد استراتيجية أرامكو على عدة محاور تفصيلية:

  1. بناء خط أنابيب مواهب مرن: من خلال الاستقطاب القوي للخريجين المحليين والمهنيين في بداية مسيرتهم، مدعوماً ببرامج تهيئة (Onboarding) مخصصة تقلل من الوقت اللازم للوصول إلى الإنتاجية الكاملة وتغلق فجوات القدرات.
  2. التعلم المستمر وتطوير القدرات: استخدام المنصات الرقمية، المحاكاة الغامرة، وشبكات التوجيه لتمكين الموظفين من التكيف المستمر. وتركز الشركة على عمق وشمولية القدرات بدلاً من مجرد حجم التوظيف، مما يخلق قوى عاملة قادرة على التحول السريع عند تغير ظروف السوق.
  3. الشراكات الاستراتيجية: التعاون عبر القطاعات مع المؤسسات العامة (مثل برنامج مراكز التدريب الوطنية التابع لأرامكو) لتوسيع نطاق تطوير المهارات ومواءمتها مع التطلعات الوطنية.
  4. الرعاية الشاملة والرفاهية: تؤكد أرامكو أن المرونة لا تُبنى فقط من خلال الأنظمة، بل عبر "الثقة والرعاية والشعور المشترك بالهدف". من خلال توفير دعم شامل للموظفين والمتدربين وعائلاتهم، تخلق الشركة ولاءً والتزاماً استثنائياً، محولة المرونة من مفهوم نظري إلى واقع ملموس يمكّن القوى العاملة من قيادة التغيير وليس فقط الاستعداد له.

ثالثاً: شركة سيسكو (Cisco) - إعادة التفكير في سير العمل والتعلم التجريبي المستمر

تطرح "فرانسين كاتسوداس"، نائبة الرئيس التنفيذي لشؤون الموارد البشرية والسياسات والهدف في سيسكو، منظوراً يركز على إعادة هندسة العمليات. تشير إلى أنه في سوق العمل المقيد، لم تعد الأساليب التقليدية لجلب المواهب كافية، بل يجب التساؤل: "كيف نصمم سير العمل المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي من الصفر؟".

تُظهر تجربة سيسكو نتائج مبهرة لهذا التوجه:

  • مكاسب الإنتاجية: أبلغ 77% من الموظفين عن زيادة في الإنتاجية، و73% لاحظوا تحسناً في الجودة، مع توفير 5 إلى 6 ساعات أسبوعياً بفضل الذكاء الاصطناعي.
  • إعادة تعريف الخبرة والموهبة: أطلقت الشركة برنامج "العمل مع الذكاء الاصطناعي" ونموذج "التوجيه العكسي" (Reverse Mentoring)، حيث يقوم الممارسون الأكثر كفاءة في استخدام الذكاء الاصطناعي (حتى لو لم يكونوا الأقدم في الشركة) بتوجيه قادة الإدارة العليا. أصبح تبني الذكاء الاصطناعي مؤشراً رئيسياً للإمكانات المستقبلية للموظف.
  • التعلم القائم على التجربة: 91% من موظفي سيسكو يتعلمون من خلال التجربة العملية، مما يعكس تحولاً من التدريب التقليدي إلى التطبيق في العالم الحقيقي.
  • دور القيادة: تعتبر سيسكو أن استخدام القادة النشط للذكاء الاصطناعي هو عامل مضاعف يسرع من تبنيه في كافة أرجاء المنظمة.

المنهجية الجديدة لبناء قوى عاملة قادرة على الصمود

يُجمع قادة الموارد البشرية في المنظمات الثلاث على أن المستقبل يتطلب الاستثمار في "المهارات" بدلاً من "الأدوار والوظائف" بصورتها التقليدية. ويتبلور دور قيادات الموارد البشرية الحديثة في التخلي عن الأساليب المتمحورة حول الشركة المنعزلة، والتوجه نحو بناء استراتيجيات قائمة على الأنظمة البيئية الشاملة (Ecosystem-based strategies).

في عالم يتسم بالتشرذم والاضطراب المستمر، حيث تتعايش الفجوة في المهارات مع اتجاهات عالمية تعيد تشكيل الحقائق المحلية، فإن المرونة تُبنى من خلال التوقع، إعادة الاختراع المستمر، الاهتمام بالعنصر البشري ورفاهيته، ودمج التقنية (خاصة الذكاء الاصطناعي) لتعزيز القدرات البشرية وليس استبدالها. إن المهمة الملقاة على عاتق الإدارة الحديثة لم تعد تقتصر على "إدارة الاضطراب"، بل أصبحت "بناء بيئات عمل وأنظمة مواهب أكثر متانة ومستدامة".