الرياض التي عرفتُها قبل عشرين عاماً لم تكن تبحث عن أجوبة في دفاتر صندوق النقد الدولي، ولا في رسوم البنك المركزي البيانية.
كان للشارع السعودي مؤشره الخاص. تدفع ثلاثة ريالات، تتناول ساندويتش شاورما دافئاً مع لفة شطة خفيفة، وتغادر المحل وأنت مطمئن إلى أن العالم بخير، وأن الريال المطبوع في جيبك يملك هيبة وقدرة على إشباعك.
اليوم، الساندويتش نفسه يقف خلف الرفوف بـ 9 ريالات.
قصة هذا الارتفاع الصامت التي التقطها الدكتور سلطان بن جريس عبر منشور مكثّف، ليست مجرد حسرة على زمن الرخص الراحل، بل هي تشريح سياسي واقتصادي لما حدث تحت سقف المجتمع السعودي طوال عقدين.
يقول لنا الدكتور بن جريس إن التضخم العام في السعودية ارتفع خلال عقدين بنسبة 84%، ولو مشت الشاورما على الخطوة نفسها لكان سعرها اليوم لا يتجاوز خمسة ريالات ونصف.
لكنها قررت أن تمشي بقفزات قاسية لتسجل ارتفاعاً بنسبة 200%.
هنا يتوقف المراقب: ما الذي حدث داخل هذا الرغيف الصغير حتى يتفوق على أرقام التضخم الرسمية ويركض أسرع منها؟
الجواب هو أن ساندويتش الشاورما ليس مجرد وجبة؛ إنه "وثيقة اقتصادية" ملفوفة بخبز.
تجلس داخل هذا الساندويتش أطراف عدة لا تراها العيون:
يجلس الدجاج والزيت المستوردان من خلف البحار وسط أزمات سلاسل الإمداد العالمية.
يجلس صاحب العقار الذي رفع إيجار المحل في شوارع الرياض الملتهبة. يجلس العامل وراتبه وتكاليف استقدامه.
تجلس التكاليف التنظيمية، وضريبة القيمة المضافة، والكهرباء والماء. وأخيراً، جلس معكم طرف ثالث لم يكن موجوداً قبل عقد:
تطبيقات التوصيل الرقمية التي اقتطعت حصتها قبل أن تلمس الوجبة يدك.
كل هؤلاء يجلسون معك على الطاولة عند كل قاطعة، ويقتطعون قيمتهم من الورقة النقدية نفسها.
وهنا تكمن المأساة الفكرية التي يشرحها بن جريس ببراعة:
الفجوة بين "لغة الأرقام الرسمية" و"ذاكرة الشارع".
عندما تصدر النشرات الرسمية لتقول إن التضخم انخفض إلى 1.8%، يبتسم المواطن بمرارة ويسأل: "لماذا إذن لا تتراجع الأسعار؟".
يشبهها ابن جريس بسيارة كانت تسير بسرعة 120 كيلومتراً في الساعة، ثم هبطت سرعتها إلى 20.
السيارة لم ترجع إلى الخلف، هي فقط مستمرة في التقدم لكن ببطء.
التضخم لا يعني أن الغلاء انتهى، بل يعني أن السرعة التي يُلتهم بها جيبك أصبحت أقل حدة فقط.
الـ 100 ريال التي كانت تشتري 33 ساندويتشاً في عام 2002، أصبحت اليوم -بالورقة نفسها والرقم المطبوع نفسه- لا تشتري سوى 11 ساندويتشاً.
تآكلت القوة الشرائية لأننا لا نعيش داخل المؤشرات المعقدة، بل نعيش داخل الأشياء التي نشتريها ونأكلها كل يوم.
ربما يجلس أبٌ بعد عشرين عاماً من الآن، يُظهِر لأطفاله صورة لساندويتش بـ 9 ريالات، فيضحك الأبناء باستغراب من رخص ذلك الزمان.
لكن الدرس الحقيقي الذي يتركه لنا تحليل بن جريس هو: أن الاقتصاد ليس مجرد معادلات جافة في قاعات الماجستير، بل هو قصة تُروى على مهل في صفيحة شاورما.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!