عندما يتعثر مشروع ضخم داخل أي مؤسسة، تتجه أصابع الاتهام فوراً إلى "المشاكل التقنية" أو "نقص الميزانية". لكن الحقيقة التي تدور في كواليس الشركات الكبرى مختلفة تماماً؛ فالأجهزة تعمل بكفاءة، والمبرمجون يقومون بدورهم، والمشكلة الحقيقية لا علاقة لها بالتكنولوجيا إطلاقاً. المشكلة تكمن في "البطء في اتخاذ القرار".

هذا البطء هو العائق الخفي الذي يستنزف أموال الشركات ويقتل طموحاتها. وبدلاً من البحث عن حل جذري، تقع الإدارات في فخ إضافة المزيد من الاجتماعات الطويلة، في حين أن الحل بسيط جداً: تحديد شخص واحد يمتلك الشجاعة والصلاحية لحسم الأمور.

كيف يدمر "تأخير القرار" المشاريع؟

عندما تستغرق الموافقة على قرار ما أسابيع أو أشهراً، فإن عجلة العمل لا تتوقف، بل "تتشوه". فالموظفون على الأرض لا يمكنهم تجميد عملهم، مما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات بديلة لتمشية الأمور، وهو ما يؤدي إلى تداعيات خطيرة، أبرزها:

  • العمل بناءً على التخمين: تلجأ فرق العمل إلى افتراض ما سيقرره المديرون لاحقاً، ويبنون عملهم على هذه الافتراضات.
  • تكاليف مضاعفة (الهدر): عندما يصدر القرار الرسمي أخيراً ويكون مخالفاً لتوقعات الموظفين، تضطر الشركة لإعادة العمل من الصفر، مما يعني إهداراً ضخماً للوقت والمال.
  • انسحاب العقول المفكرة: أصحاب الكفاءات العالية يصابون بالإحباط عندما يدركون أن اجتماعاتهم لا تثمر عن نتائج، فيبدأون بالانسحاب بهدوء من دائرة اتخاذ القرار.

الأخطر في هذه الحالة هو أن "الانهيار يحدث بصمت". فالتقارير الورقية تبدو ممتازة، والاجتماعات مكتظة بالحضور، لكن على أرض الواقع، المشروع يتجه نحو الهاوية.

التشخيص الخاطئ: مزيد من اللجان ليس حلاً!

عندما تلاحظ الشركات بطئاً في إنجاز المشاريع، فإن رد الفعل التلقائي (والخاطئ غالباً) هو تشكيل لجان جديدة، أو فرض المزيد من الرقابة. لكن الحقيقة هي أن المشكلة ليست في نقص اللجان، بل في "الضبابية".

الجميع يجلس حول طاولة الاجتماعات، للجميع رأي، والجميع يود المشاركة، لكن لا أحد يعرف من هو الشخص المسؤول فعلياً عن النطق بالكلمة النهائية. الرغبة في إرضاء الجميع والوصول إلى "إجماع" تتحول هنا إلى قيود تكبل الشركة.

"الشركات المتعثرة لا تعاني من مشكلة في اتخاذ القرار، بل تعاني من مشكلة في تحديد (من يملك) القرار."

خارطة الطريق: كيف ننتقل من "الثرثرة" إلى "الحسم"؟

وللخروج من مأزق "البطء الإداري" وإنقاذ المشاريع المتعثرة، يتعين على المؤسسات تبني خارطة طريق عملية ترتكز على ثلاث خطوات أساسية، تتحول بموجبها ثقافة العمل من العشوائية إلى الحسم. تبدأ هذه الرحلة بـ تحديد مالك واضح لكل قرار؛ فبدلاً من الممارسة القديمة الخاطئة التي تعتمد على رمي المشكلات على لجان موسعة يضيع فيها القرار، يجب تقسيم القرارات وتعيين "شخص واحد" يتحمل مسؤولية الحسم الكاملة. وتكتمل هذه الخطوة بـ تقليص أعداد الحضور في الاجتماعات؛ ففكرة دعوة كافة المدراء والموظفين تحت شعار "الشفافية" ليست سوى فخ يستنزف الوقت، والبديل الأصح هو حصر النقاش على الأشخاص المعنيين فقط لضمان سرعة الإنجاز ومنع تشتت الآراء. وأخيراً، لا بد من الانتقال إلى صناعة قرارات فورية، متخلين عن العادة العقيمة المتمثلة في تأجيل البت في الأمور لمزيد من الدراسة؛ بحيث يُلزم الاجتماع بالخروج بقرار نهائي، مع وضع "خيار افتراضي" يُنفذ تلقائياً في حال انتهى الوقت ولم يُتخذ القرار، لتبقى عجلة المشروع متحركة دون توقف.

إن نجاح التحولات الكبرى في المؤسسات، سواء كانت حكومية أو خاصة، لا يعتمد فقط على امتلاك أحدث البرامج التكنولوجية، بل يعتمد بالأساس على "سلوكيات الإدارة".

التكنولوجيا سيكون لها دائماً حدود تقنية، لكن "سرعة اتخاذ القرار" يجب ألا تكون أبداً إحدى هذه الحدود. المنظمات الناجحة اليوم ليست تلك التي تمتلك أحدث الخطط، بل هي تلك التي تعرف تماماً: من يملك حق اتخاذ القرار الآن؟