خلال تعرفي على الأسواق الماليّة، رأيت إمبراطوريات تسقط، وشركات تُبنى من الصفر لتتجاوز ميزانيات دول بأكملها. تخيل معي أن تطبيقاً بسيطاً في هاتفك المحمول، لا يملك مصانع ولا آبار نفط، قد تُقدر قيمته بمليار دولار! في عالم الاقتصاد الحديث، هذا ليس ضرباً من الخيال، بل هو ما نطلق عليه في لغة المال والأعمال اسم "اليونيكورن" (Unicorn).
فما هو هذا الكائن الأسطوري؟ وكيف يُصنع؟
ما هو "اليونيكورن"؟
في لغة الاقتصاد، اليونيكورن هو مصطلح يُطلق على أي شركة ناشئة (Startup) خاصة لم تُطرح أسهمها للعامة في البورصة بعد، ونجحت في كسر حاجز المليار دولار أمريكي كقيمة سوقية. هي شركات تبدأ بفكرة بسيطة لحل مشكلة يومية، وتنمو بسرعة مرعبة كالنار في الهشيم.
من أين جاء هذا المصطلح؟
وراء كل مصطلح عظيم، إمرأة عظيمة - دعابة -. في عام 2013، جلست مستثمرة أمريكية تُدعى "أيلين لي" (Aileen Lee) تراقب بحر الشركات الناشئة في وادي السليكون. قررت أيلين أن تحسب بدقة: كم شركة تقنية تأسست في العقد الأخير ونجحت في الوصول لقيمة مليار دولار؟
كانت الصدمة في الأرقام! وجدت أيلين أن نسبة نجاح هذه الشركات لا تتجاوز 0.07%. وللتعبير عن هذه الندرة المرعبة، كتبت مقالاً شهيراً أطلقت فيه على هذه الشركات النادرة جداً اسم "يونيكورن" (الحصان أحادي القرن الأسطوري)؛ لأن العثور على شركة تصل إلى هذا الحجم الملياري في بداياتها كان يُعد أقرب إلى العثور على كائن خيالي في غابة! ومنذ ذلك اليوم، أصبح مصطلحها هو المقياس الذهبي للمستثمرين حول العالم.
وادي الموت: أين تتبخر أموال المستثمرين؟
الرحلة لا تبدأ بالمليارات. تبدأ بشاب أو شابة يملكان فكرة. يؤسسان شركة صغيرة، وهنا تبدأ المعركة الحقيقية التي نسميها في عالم الاستثمار "وادي الموت" (Valley of Death).
في هذا الوادي، الشركة لا تربح قرشاً واحداً، بل "تحرق" الأموال لجذبك أنت كعميل. تقدم لك توصيلاً مجانياً، وخصومات هائلة. هي تنزف مالياً لكي تعتاد أنت على استخدامها. القاعدة الذهبية والقاسية هنا: أغلب الشركات تموت في هذا الوادي وتعلن إفلاسها، وتتبخر أموال المستثمرين في الهواء.
الخدعة الكبرى: التقييم لا يعني "الكاش"!
بصفتي مهتم بالمعرفة الاقتصادية، دعني أكشف لك الخدعة التي يجهلها الكثيرون: عندما تسمع في الأخبار أن شركة ما أصبحت يونيكورن بقيمة مليار دولار، فهذا لا يعني أبداً أن في رصيدها البنكي مليار دولار!
السر يكمن في لعبة "التقييم". التقييم هو مجرد "توقع مستقبلي". يأتي مستثمر (حوت من حيتان السوق) ويقول لمؤسس الشركة: "سأعطيك 100 مليون دولار مقابل 10% فقط من شركتك". بعملية حسابية بسيطة، إذا كانت الـ 10% تُباع بـ 100 مليون، فهذا يعني أن قيمة الشركة الكلية على الورق أصبحت مليار دولار. الشركة قد تكون خاسرة اليوم، لكن المستثمر يراهن على أنها ستسيطر على السوق غداً وتُباع بمليارات حقيقية.
لماذا تلعب "الحيتان" هذه اللعبة الروسية المميتة؟
لماذا يخاطر كبار المستثمرين بأموالهم في شركات أغلبها سيفشل؟ الجواب يكمن في "قوة اليونيكورن". المستثمر الذكي يوزع أمواله على 10 شركات ناشئة. هو يعلم يقيناً أن 9 منها ستفشل ويخسر أمواله فيها. لكنه يبحث عن "الشركة العاشرة"؛ الشركة التي ستتحول إلى يونيكورن وتتضاعف قيمتها مئات المرات. هذا "الوحش الملياري" الوحيد سيعوض خسائر الشركات التسع، ويحقق للمستثمر ثراءً فاحشاً.
الدرس المالي لنا
عالم الـ "يونيكورن" ليس مسرحية وردية للثراء السريع، بل هو ساحة معركة تعتمد على المخاطرة العالية جداً (High Risk, High Return). كأشخاص بسطاء، الوعي المالي يتطلب منا ألا ننبهر ببريق المليارات التي نقرأ عنها، بل أن نفهم أن خلف كل إعلان عن "يونيكورن" جديد، هناك مقابر لآلاف الشركات التي حاولت ولم تنجح، ومستثمرون قرأوا السوق بذكاء وصبر.
التعليقات (7)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!