حين نرسل رسالة نصية، أو نجري مكالمة فيديو عابرة للقارات، أو حتى حين تُنفذ صفقة مالية بمليارات الدولارات بضغطة زر، تتجه أنظارنا لا شعورياً نحو السماء. نعتقد أن الأقمار الصناعية وشبكات الاتصال اللاسلكي هي من يحمل أحلامنا وأموالنا عبر الأثير. لكن الحقيقة المدهشة والمخيفة في آنٍ واحد، هي أن العالم لا يسبح في الفضاء، بل يغوص في أعمق وأظلم نقاط كوكب الأرض: في قيعان المحيطات.

أهلاً بكم في عالم الكابلات البحرية.. شرايين الاقتصاد العالمي التي تنبض في صمت، والتي أصبحت اليوم ساحة لـ "حرب ظلال" جيوسياسية معقدة.

خرافة الفضاء وحقيقة الأعماق

يوضح "آلان مولدين"، مدير الأبحاث في مؤسسة "تيلي جيوغرافي" (TeleGeography) المتخصصة في اتصالات البيانات، هذا الوهم الشائع قائلاً: "من المعتاد جداً أن تعتقد أن هاتفك المحمول يرسل البيانات لاسلكياً عبر الهواء إلى العالم. لكن الحقيقة هي أن الإشارة تنتقل إلى أقرب برج اتصالات، ومنه إلى كابلات أرضية، وحين تحتاج للعبور إلى قارة أخرى، فإنها تغطس تحت الماء عبر الكابلات البحرية".

  • الأقمار الصناعية مقابل الكابلات: رغم أهمية الأقمار الصناعية للوصول إلى المناطق النائية، إلا أن سعتها الاستيعابية تتضاءل تماماً أمام الكابلات البحرية التي تحمل أكثر من 90% من حركة الإنترنت اليومية في المملكة المتحدة وعالمياً، وتشمل كل شيء؛ من رسائل البريد الإلكتروني العادية إلى تداولات الأسهم الحساسة.

"إكسا إكسبرس".. حبل الوريد المالي

لفهم حجم هذه الشبكة، دعونا ننظر إلى خريطة المملكة المتحدة التي تعتمد على حوالي 60 كابلاً بحرياً تربطها بالعالم.

أحد أهم هذه الكابلات يُدعى كابل "إكسا إكسبرس" (EXA Express). يبدأ هذا الكابل العملاق رحلته من مدينة نيويورك الأمريكية، ليمتد على مسافة 4,600 كيلومتر (2,858 ميلاً) تحت مياه المحيط الأطلسي الباردة، قبل أن يخرج إلى اليابسة في بلدة "برين" (Brean) على ساحل مقاطعة سومرست البريطانية.

هذا الكابل، الذي تم مده في عام 2015، ليس مجرد أنبوب زجاجي لنقل البيانات، بل هو "الجسر المالي" الأهم الذي يربط بين عاصمتي المال في العالم: "حي المال في لندن" و"وول ستريت" في نيويورك. أي انقطاع فيه لا يعني توقف فيديو على يوتيوب، بل يعني شللاً فوضوياً في الأسواق المالية.

"الحرب الهجينة".. الغواصات الروسية في قاع الأطلسي

لأن هذه الكابلات تمثل العصب الحيوي للغرب، فقد تحولت من مجرد بنية تحتية تقنية إلى هدف عسكري واستراتيجي.

منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، والذي أسفر عن صراع دامي أودى بحياة وإصابة نحو مليون شخص، يعتقد حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن موسكو تشن حرباً غير معلنة ضد أوروبا الغربية، تُعرف باسم "الحرب الهجينة" (Hybrid warfare). الهدف منها؟ معاقبة الدول الغربية وردعها عن مواصلة دعمها العسكري لكييف.

  • عمليات سرية في الأعماق: كشفت وزارة الدفاع البريطانية عن عملية سرية استمرت شهراً كاملاً، حيث قامت ثلاث غواصات تجسس روسية بالتحليق فوق شبكة الكابلات وخطوط الأنابيب في المحيط الأطلسي (وهو ما نفته روسيا).
  • عين ساهرة: رغم تأكيد وزير الدفاع البريطاني "جون هيلي" أن هذه الغواصات كانت تحت المراقبة على مدار الساعة (باستخدام سفن مثل HMS St Albans) ولم تُسجل أي أضرار بالبنية التحتية، إلا أن الرسالة الروسية كانت واضحة.

يرى الخبير في الشأن الروسي بـ "تشاتام هاوس"، "كير جايلز"، أن التخريب المحتمل لهذه الكابلات يجب ألا يُنظر إليه كحدث معزول، بل كجزء من برنامج روسي شامل وممنهج يستهدف البنية التحتية الحيوية للاتصالات الغربية.

نحن نعيش في عصرٍ رقمي يبدو فيه كل شيء غير ملموس ومُحلقاً في السحاب. لكن في نهاية المطاف، يعتمد استقرارنا المالي، وأمننا القومي، وقدرتنا على التواصل، على خيوط زجاجية رقيقة ترقد في الظلام الدامس تحت أطنان من مياه المحيطات. الكابلات البحرية لم تعد مجرد تكنولوجيا؛ بل هي الجغرافيا السياسية الجديدة للقرن الحادي والعشرين.