إذا استخدم المحاسب الذكاء الاصطناعي لتلخيص مئات الصفحات من المستندات، فهل يعتبر ذلك غشًا؟

وماذا لو استخدم المحلل أداة ذكاء اصطناعي لتنظيم البيانات أو كتابة مسودة أولية لتقرير؟

الإجابة لا تعتمد فقط على استخدام الأداة، بل على ما الذي تركناه للأداة لتفعله بدلًا منا.

فالذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا متزايدًا من بيئات العمل، لكن قيمته الحقيقية لا تكمن في جعل الموظف يتوقف عن التفكير، بل في تقليل الوقت الذي يقضيه في الأعمال المتكررة حتى يستطيع التركيز على المهام التي تحتاج إلى فهم وتحليل وحكم بشري.

وهذا المبدأ يظهر بوضوح في التوجيهات الجديدة التي أصدرتها AICPA للمراجعين الماليين حول استخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق.


الأداة تستطيع المساعدة.. لكنها لا تتحمل المسؤولية

تقول AICPA إن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحسن كفاءة وفعالية إعداد القوائم المالية وأعمال التدقيق، لكنها قد تقدم في الوقت نفسه مخاطر جديدة تتعلق بالبيانات، والتحيز، والهلوسة، وصعوبة تفسير بعض النتائج.

ولهذا شددت المؤسسة على نقطة مهمة:

المراجع يظل مسؤولًا عن عملية التدقيق وعن الرأي النهائي.

وهنا يمكن تطبيق الفكرة على معظم الوظائف. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقترح، ويلخص، ويبحث، وينظم، ويكتب مسودة، بل ويمكنه اكتشاف أنماط قد لا يلاحظها الإنسان بسرعة.

لكن المسؤولية المهنية لا تنتقل إليه. فإذا أعطى النموذج رقمًا خاطئًا داخل تقرير مالي، لا يستطيع الموظف الدفاع عن الخطأ بالقول: «الذكاء الاصطناعي هو الذي كتبه».


متى يكون الاستخدام مفيدًا؟

تظهر قيمة الذكاء الاصطناعي خصوصًا عندما يستخدم في الأعمال التي تستهلك وقتًا كبيرًا لكنها لا تتطلب أن يبدأ الإنسان كل خطوة من الصفر. المراجع مثلًا قد يستخدم أدوات تحليل البيانات للبحث عن معاملات غير معتادة داخل آلاف القيود، أو للمساعدة في تلخيص عقود ومستندات طويلة.

والمحلل المالي يستطيع استخدامه لتنظيم المعلومات، مقارنة نتائج الفترات، أو إعداد مسودة أولية لتحليل يحتاج بعد ذلك إلى المراجعة. والموظف الإداري يستطيع الاستفادة منه في تلخيص الاجتماعات أو تنظيم المهام أو تحسين صياغة المراسلات. في هذه الحالات لا يقوم الذكاء الاصطناعي بأداء الوظيفة بدل الموظف، بل يقلل الوقت اللازم للوصول إلى مرحلة التحليل والقرار.


ومتى يتحول إلى مشكلة؟

المشكلة تبدأ عندما يصبح المستخدم غير قادر على تفسير ما قدمته الأداة. إذا كتب الذكاء الاصطناعي تحليلًا ماليًا كاملًا، ثم نشره المحلل دون التحقق من الأرقام أو فهم الاستنتاجات، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة. بل أصبح هو من قام بالعمل الحقيقي. وهنا يصبح الأمر قريبًا من الغش المهني، لأن الشخص يقدم نتيجة باسمه دون أن يمتلك القدرة على الدفاع عنها أو التأكد من صحتها. ولهذا تركز إرشادات AICPA على استمرار الحكم المهني والشك المهني والإشراف والمراجعة حتى عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.


السرعة لا تعني التخلي عن الفهم

يمكن تشبيه الذكاء الاصطناعي بالآلة الحاسبة. استخدام المحاسب للآلة الحاسبة لا يعني أنه لا يعرف المحاسبة، بل يعني أنه لا يريد إضاعة وقته في إجراء العمليات الحسابية يدويًا. لكن إذا لم يكن يعرف أصلًا ما الذي يجب حسابه، فلن تنقذه الآلة. الذكاء الاصطناعي يعمل بالطريقة نفسها ولكن على نطاق أكبر. فهو يستطيع اختصار مراحل كثيرة من العمل، لكن قيمته ترتفع عندما يستخدمه شخص يفهم المجال ويستطيع اكتشاف الخطأ عندما يحدث.


المهارة الجديدة ليست تجنب الذكاء الاصطناعي

مع انتشار هذه الأدوات، قد لا يكون الموظف الأفضل هو الذي يرفض استخدامها، ولا الذي يترك كل شيء لها. بل الشخص الذي يعرف أي المهام يفوضها للأداة وأي القرارات يجب أن تبقى بيده.

ولهذا فإن مستقبل العمل لا يبدو كاختيار بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. الأقرب هو تعاون بين الاثنين:

الآلة تتولى جزءًا أكبر من البحث والتنظيم والمعالجة، بينما يبقى الإنسان مسؤولًا عن السياق، والحكم، والأخلاقيات، والنتيجة النهائية. وهنا يصبح استخدام الذكاء الاصطناعي مهارة مهنية بحد ذاته. فالسؤال لم يعد: هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟

بل:

هل استخدمته ليساعدك على التفكير، أم استخدمته بدلًا من أن تفكر؟