عندما تتراجع قيمة عملة ما بشكل حاد، قد يبدو الحل المباشر بسيطًا: يتدخل البنك المركزي أو الحكومة في سوق الصرف ويشتري العملة المحلية لزيادة الطلب عليها ورفع قيمتها. لكن تجربة اليابان الأخيرة تطرح سؤالًا اقتصاديًا أعمق: هل يمكن حماية العملة بالتدخل وحده، أم أن المشكلة تبدأ أساسًا من أسعار الفائدة؟
هذا السؤال برز مع تدخل اليابان والولايات المتحدة في سوق العملات لدعم الين، في وقت وصلت فيه قيمة تدخل اليابان خلال شهر واحد إلى مستوى قياسي بلغ 15.4 تريليون ين، أي نحو 96.4 مليار دولار. ورغم ضخامة الرقم، عاد النقاش سريعًا إلى السياسة النقدية وإمكانية رفع بنك اليابان لأسعار الفائدة.
كيف تؤثر الفائدة في قيمة العملة؟
أسعار الفائدة لا تحدد تكلفة القروض فقط، بل تؤثر أيضًا في حركة الأموال بين الاقتصادات.
فعندما تكون أسعار الفائدة في دولة ما منخفضة مقارنة بدول أخرى، قد يجد المستثمر أن الاحتفاظ بأصول مقومة بعملتها أقل جاذبية، خصوصًا إذا كان بإمكانه الحصول على عائد أعلى في أسواق أخرى. وفي المقابل، يمكن أن يؤدي ارتفاع الفائدة إلى زيادة جاذبية السندات والودائع والأصول المالية المقومة بتلك العملة، ما قد يرفع الطلب عليها.
وهنا تظهر المشكلة التي تواجه الين: إذا ظل العائد على الأصول اليابانية أقل من العوائد المتاحة في اقتصادات أخرى، فإن التدخل في سوق الصرف قد يواجه قوة اقتصادية أكبر منه تتمثل في فروق أسعار الفائدة.
التدخل في العملة أم تغيير السياسة النقدية؟
يمكن تشبيه التدخل في سوق العملات بمعالجة النتيجة، بينما يستهدف تغيير أسعار الفائدة أحد الأسباب التي تقف خلف حركة رؤوس الأموال.
فعندما تشتري الحكومة الين في السوق، فإنها تخلق طلبًا إضافيًا عليه وقد تدفع سعره إلى الارتفاع. لكن هذا الأثر قد يكون محدودًا إذا بقي المستثمرون مقتنعين بأن العائد على الأصول اليابانية منخفض نسبيًا.
أما رفع أسعار الفائدة، فيغير المعادلة من داخل الاقتصاد نفسه؛ لأنه قد يقلص الفارق بين العائد في اليابان والعائد في الأسواق الأخرى، وبالتالي يخفف الحافز على بيع الين والانتقال إلى عملات ذات عائد أعلى.
لهذا السبب جاء دفع وزير الخزانة الأميركي باتجاه رفع بنك اليابان للفائدة بدل الاعتماد المتكرر على التدخل في سوق العملات.
لماذا لا ترفع اليابان الفائدة ببساطة؟
لأن سعر الفائدة ليس أداة مخصصة لسوق العملات فقط.
رفع الفائدة قد يدعم الين، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة الاقتراض على الشركات والأسر، ويؤثر في الاستثمار والنشاط الاقتصادي وأسعار الأصول. ولهذا فإن البنك المركزي لا يستطيع تحديد الفائدة بناءً على سعر العملة وحده، بل يحتاج إلى موازنة التضخم والنمو والأجور والاستقرار المالي ضمن قراره.
وهنا تظهر المفاضلة التي تواجه البنوك المركزية: الأداة التي تساعد على حل مشكلة في جانب من الاقتصاد قد تخلق ضغوطًا في جانب آخر.
ماذا يخبرنا رقم 15.4 تريليون ين؟
أهمية هذا الرقم ليست في حجمه فقط، بل فيما يكشفه عن تكلفة الدفاع المباشر عن العملة.
فعندما تحتاج دولة إلى إنفاق عشرات المليارات من الدولارات في سوق الصرف، يصبح السؤال الأهم ليس: كم تستطيع أن تتدخل؟ بل: هل تتفق سياساتها النقدية مع الاتجاه الذي تريد أن تتحرك إليه عملتها؟
إذا كانت العوامل الأساسية في السوق تدفع العملة إلى الانخفاض، فإن التدخل قد يبطئ الحركة أو يغيرها مؤقتًا، لكنه لا يضمن وحده تغيير الاتجاه لفترة طويلة.
لهذا أصبح اجتماع بنك اليابان في سبتمبر مهمًا للأسواق؛ ليس فقط لأن المستثمرين ينتظرون قرارًا بشأن سعر الفائدة، بل لأن القرار سيعطي إشارة عن الطريقة التي تريد اليابان من خلالها التعامل مع ضعف الين: هل تستمر في مواجهة السوق من خلال شراء العملة، أم تبدأ بتغيير الظروف الاقتصادية التي تضغط عليها؟
في النهاية، تحركات العملات لا ترتبط بحجم الأموال المستخدمة للدفاع عنها فقط. ففي كثير من الأحيان، يكون الرقم الأهم خلف سعر الصرف هو رقم أصغر بكثير: سعر الفائدة نفسه.
التعليقات (7)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!