لطالما ارتبط التفوق في التكنولوجيا بعدد المهندسين، وحجم رأس المال، والقدرة على تطوير البرمجيات. لكن صعود الذكاء الاصطناعي يضيف عنصرًا أقل بريقًا وأكثر أهمية: الكهرباء.
فالنماذج المتقدمة تحتاج إلى مراكز بيانات قادرة على تدريبها وتشغيلها، وهذه المراكز تحتاج بدورها إلى كميات كبيرة من الكهرباء وبنية تحتية موثوقة. ولهذا يرى طارق أمين، الرئيس التنفيذي لشركة "هيوماين"، أن الطاقة تمثل إحدى أهم المزايا التي يمكن للسعودية توظيفها في التوسع بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب الأراضي ورأس المال والموقع الجغرافي والكوادر البشرية.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت السعودية تملك الطاقة، بل: هل يمكن تحويل وفرة الطاقة إلى ميزة اقتصادية مستدامة في صناعة الذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي.. صناعة تستهلك الكهرباء
كان يُنظر إلى مراكز البيانات في السابق باعتبارها جزءًا خلفيًا من الاقتصاد الرقمي. اليوم، أصبحت من البنية التحتية الأساسية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتشير أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بلغ نحو 485 تيراواط ساعة في 2025، وتتوقع الوكالة أن يقترب من الضعف ليصل إلى نحو 950 تيراواط ساعة بحلول 2030.
كما نما استهلاك مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي بنحو 50% خلال 2025، وهو أسرع بكثير من نمو استهلاك مراكز البيانات ككل.
وهنا تتغير معادلة المنافسة.
فكلما توسعت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، زادت أهمية قدرة الدول على توفير كميات كبيرة من الكهرباء بشكل موثوق وقابل للتوسع. وهذا يجعل الطاقة جزءًا من البنية التنافسية التي تبحث عنها الشركات عند بناء مراكز البيانات وتوسيع قدراتها الحاسوبية.
ميزة السعودية تبدأ من الطاقة.. لكنها لا تنتهي عندها
تبدو وفرة الطاقة ميزة واضحة لدولة تريد بناء صناعة ذكاء اصطناعي واسعة، لكنها لا تعمل بمفردها.
فمركز البيانات يحتاج إلى شبكة كهرباء موثوقة، وأراضٍ مناسبة، واتصالات، وتبريد، ورأس مال، وكوادر بشرية قادرة على تشغيل هذه المنظومة. ولهذا أشار طارق أمين إلى مجموعة من العناصر التي تشمل الطاقة والأراضي ورأس المال والموقع الجغرافي والكوادر البشرية.
وهذا مهم اقتصاديًا؛ لأن الميزة التنافسية لا تأتي من امتلاك عنصر واحد، بل من القدرة على جمع هذه العناصر في منظومة واحدة.
لماذا تصبح تكلفة الطاقة عاملًا مهمًا؟
في الذكاء الاصطناعي، لا تتوقف تكلفة الحوسبة عند شراء الرقائق والخوادم؛ فالتشغيل المستمر يحتاج إلى الكهرباء، كما تحتاج مراكز البيانات إلى أنظمة تبريد وبنية تحتية قادرة على التعامل مع أحمال مرتفعة ومتغيرة.
وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن التوسع في مراكز البيانات يواجه بالفعل اختناقات في شبكات الكهرباء وسلاسل توريد بعض معدات الطاقة، كما أن ارتفاع كثافة الطاقة في خوادم الذكاء الاصطناعي يضغط على قدرة البنية التحتية الحالية. وتشير الوكالة إلى أن كثافة الطاقة في خوادم الذكاء الاصطناعي ارتفعت 11 مرة بين 2020 و2025، مع توقع زيادة أخرى بحلول 2027.
وهذا يعني أن المنافسة لا تدور فقط حول سعر الكهرباء، بل حول القدرة على توفيرها بشكل موثوق وفي الوقت الذي تحتاجه مراكز البيانات.
وهنا يمكن للسعودية أن توظف ما تملكه من مقومات في قطاع الطاقة لبناء ميزة في قطاع التكنولوجيا أيضًا.
حين تتحول الطاقة إلى وسيلة لجذب الاستثمار
هذه ربما تكون الزاوية الاقتصادية الأهم.
وتُعد الطاقة إحدى نقاط القوة المعروفة للسعودية، خصوصًا في النفط والغاز، لكن اقتصاد الذكاء الاصطناعي يفتح أمامها استخدامًا جديدًا لهذه الميزة: جذب الاستثمارات التي تحتاج إلى الكهرباء بكثافة.
بدل أن تكون الطاقة مجرد سلعة أو مدخلًا لقطاعات تقليدية، يمكن أن تصبح أحد العوامل التي تساعد على جذب مراكز البيانات والخدمات السحابية والبنية التحتية الرقمية، ثم أنشطة أخرى تنشأ حولها.
وهنا تظهر أهمية القيمة المضافة المحلية.
فالمكسب الاقتصادي لا يتوقف عند إنشاء مركز بيانات، بل يرتبط بما يمكن أن ينشأ حوله من استثمارات وخدمات ووظائف وأنشطة مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.
وهذا هو الفارق بين استضافة بنية تحتية للذكاء الاصطناعي وبين بناء منظومة اقتصادية تستفيد منها.
هل تستطيع الطاقة أن تصنع ميزة دائمة؟
الميزة لا تصبح دائمة لمجرد أنها متاحة اليوم.
فالذكاء الاصطناعي نفسه يتطور بسرعة، وكفاءة البرمجيات والرقائق تتحسن، ما يعني أن استهلاك الطاقة لكل مهمة يمكن أن ينخفض. وفي المقابل، تظهر استخدامات أكثر تعقيدًا وكثافة في استهلاك الطاقة، مثل توليد الفيديو، ومهام الاستدلال، والأنظمة الوكيلة.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب المستقبلي على الكهرباء من الذكاء الاصطناعي سيتحدد إلى حد كبير بالتوازن بين تحسن الكفاءة، وسرعة انتشار الاستخدام، وظهور تطبيقات جديدة أكثر استهلاكًا للطاقة.
لذلك، لا يتمثل التحدي أمام السعودية في توفير المزيد من الكهرباء فقط، بل في بناء منظومة تستطيع التوسع بكفاءة وموثوقية.
وكلما ارتفعت قدرة المملكة على الجمع بين الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، ورأس المال، والأراضي، والمواهب، أصبحت فرصها أكبر في تحويل الذكاء الاصطناعي من قطاع يستهلك الطاقة إلى محرك لاستثمارات ونشاطات اقتصادية جديدة.
المعركة القادمة ليست على الخوارزميات فقط
قد يبدو سباق الذكاء الاصطناعي من الخارج وكأنه منافسة بين الشركات على أفضل النماذج والرقائق. لكن خلف هذه المنافسة توجد معركة أخرى على أشياء أكثر أساسية: الكهرباء، ومراكز البيانات، والشبكات، والرقائق، والتمويل.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن السباق على هذه المدخلات أصبح أكثر وضوحًا، مع تزايد الاختناقات في الطاقة وسلاسل توريد الرقائق ومعدات الكهرباء، بالتزامن مع تسارع الاستثمارات في مراكز البيانات.
وهنا تملك السعودية ورقة مهمة: الطاقة.
لكن قيمتها الاقتصادية الحقيقية ستتحدد بقدرة المملكة على تحويل هذه الورقة إلى منظومة متكاملة، لا إلى ميزة منفردة.
ففي اقتصاد الذكاء الاصطناعي، قد لا تكون الدولة الأكثر تنافسية هي التي تملك أفضل نموذج فقط، بل الدولة التي تستطيع تشغيل قدرات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وتوفير البنية التحتية والطاقة اللازمة لها، وتحويل ذلك إلى قيمة اقتصادية داخل اقتصادها.
التعليقات (8)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!