ليست أخطر لحظة في حياة الشركة عندما تعلن خسارة فصلية، ولا حتى عندما يتراجع سعر سهمها. الخطر يصبح أكثر تعقيدًا حين تتحول الخسارة من حدث عابر في قائمة الدخل إلى تراكم طويل الأجل يبدأ في استهلاك رأس المال، ويضغط على السيولة، ويثير أسئلة حول قدرة النشاط نفسه على الاستمرار.

هذه هي الزاوية التي تجعل حالة شركة ريدان الغذائية أكثر من مجرد خبر عن شركة مدرجة في السوق السعودية.

ففي نهاية يونيو 2026 بلغت الخسائر المتراكمة للشركة نحو 78.3 مليون ريال، بما يعادل 107% من رأس مالها البالغ نحو 73.1 مليون ريال. وفي الفترة نفسها أصبحت حقوق الملكية العائدة لمساهمي الشركة، بعد استبعاد الحصص غير المسيطرة، سالبة بنحو 5.18 مليون ريال، بينما تجاوزت المطلوبات المتداولة الموجودات المتداولة، ليصل عجز رأس المال العامل إلى قرابة 64.9 مليون ريال.

هذه الأرقام تقدم حالة مناسبة لفهم سؤال أوسع في الاقتصاد وإدارة الشركات: ماذا يحدث عندما تتجاوز خسائر شركة مساهمة رأس مالها؟ وهل يمكن لإعادة هيكلة رأس المال أن تعالج المشكلة فعلًا؟

أولًا.. ماذا يعني أن تبلغ الخسائر 107% من رأس المال؟

قد تبدو العبارة لأول وهلة وكأن الشركة «خسرت أكثر من كل ما تملك». لكن هذا ليس المعنى المحاسبي الدقيق.

رأس المال هنا هو رأس المال المصدر للشركة؛ أي القيمة المسجلة نظاميًا ومحاسبيًا لرأس مال المساهمين، وليس القيمة السوقية لأسهم الشركة في البورصة، وليس كذلك إجمالي أصولها أو النقد الموجود في حساباتها.

أما الخسائر المتراكمة فهي المحصلة التي تراكمت عبر الزمن من النتائج التي لم تستطع الأرباح السابقة أو الاحتياطيات والتعديلات الرأسمالية امتصاصها.

وعندما يقال إن الخسائر المتراكمة تعادل 107% من رأس المال، فالمعنى أن رصيد هذه الخسائر أصبح أكبر من رأس المال المصدر نفسه.

والتمييز مهم؛ لأن رأس المال يختلف عن حقوق الملكية، وكلاهما يختلف عن القيمة السوقية.

القيمة السوقية تتغير كل يوم بحسب سعر السهم وعدد الأسهم. أما حقوق الملكية فهي، بتبسيط شديد، ما يتبقى محاسبيًا للمساهمين بعد طرح الالتزامات من الأصول. وفي حالة ريدان، لا تقف الإشارة عند تجاوز الخسائر رأس المال؛ إذ تحولت حقوق الملكية العائدة للمساهمين إلى قيمة سالبة بنحو 5.18 مليون ريال بنهاية يونيو 2026.

وهنا يصبح رقم 107% أكثر دلالة، لأنه يأتي مصحوبًا بإشارات أخرى إلى الضغط المالي.

القصة لم تبدأ في 2026

النظر إلى رقم 107% وحده قد يخفي الجزء الأكثر أهمية من القصة.

فريدان مرت خلال السنوات السابقة بسلسلة طويلة من إعادة هيكلة رأس المال والخسائر التشغيلية.

في أكتوبر 2022 وافقت الجمعية العامة غير العادية على خفض رأس المال من 337.5 مليون ريال إلى نحو 158.1 مليون ريال، أي بنسبة 53.16%. وأظهرت النتائج السنوية لذلك العام إطفاء نحو 179.4 مليون ريال من الخسائر المتراكمة عبر تخفيض رأس المال.

لكن تنظيف الميزانية لم يوقف توليد الخسائر.

في 2023 سجلت ريدان إيرادات بنحو 177.4 مليون ريال وصافي خسارة قدره 30.9 مليون ريال. وفي 2024 تراجعت الإيرادات إلى 155.4 مليون ريال، بينما اتسعت الخسارة الصافية إلى 73.1 مليون ريال. ثم انخفضت الإيرادات في 2025 إلى نحو 114.1 مليون ريال، مع خسارة صافية قدرها 64.7 مليون ريال.

وهكذا انخفضت الإيرادات السنوية بين 2023 و2025 بنحو 36% تقريبًا، في وقت بقيت فيه الخسائر كبيرة.

لكن المؤشر الأكثر إثارة للاهتمام يظهر في مستوى إجمالي الربح.

فقد حققت الشركة إجمالي ربح بنحو 9.7 ملايين ريال في 2023، تقلص إلى 1.2 مليون ريال فقط في 2024، ثم تحول إلى خسارة إجمالية بلغت 11.4 مليون ريال في 2025.

وبحساب هامش إجمالي الربح من الأرقام المعلنة، انخفض الهامش من نحو 5.4% في 2023 إلى أقل من 1% في 2024، ثم أصبح سالبًا بنحو 10% في 2025.

وهذه نقطة جوهرية.

فحين تخسر الشركة بعد المصروفات الإدارية والتمويلية فقط، يمكن أن تكون المشكلة في هيكل التكاليف أو الديون. أما عندما يتحول إجمالي الربح نفسه إلى خسارة، فهذا يعني أن الضغط اقترب من قلب النشاط: العلاقة بين ما تحققه الشركة من مبيعات وبين التكلفة المباشرة اللازمة لتحقيق تلك المبيعات.

ثم جاء النصف الأول من 2026

ازدادت الصورة صعوبة خلال 2026.

وفي إعلان تصحيحي صدر في أغسطس، عدلت الشركة إيرادات النصف الأول من العام إلى نحو 20.66 مليون ريال، بانخفاض يقارب 70% عن الفترة المماثلة من العام السابق، فيما بلغ إجمالي الخسارة نحو 5.31 ملايين ريال. وفي الربع الثاني وحده بلغت الإيرادات المصححة نحو 3.48 ملايين ريال، بتراجع يقارب 85.9% على أساس سنوي.

وأوضحت الشركة أن التصحيح جاء نتيجة إعادة تبويب بعض البنود للفصل بين العمليات المستمرة وغير المستمرة وفق متطلبات المعيار الدولي للتقرير المالي رقم 5، إضافة إلى تصحيح خطأ تجميعي، مؤكدة أن التعديل لم يغير إجمالي صافي نتائج الفترة.

وبحساب هامش إجمالي الربح من الأرقام المصححة، كانت الشركة تخسر خلال النصف الأول من 2026 نحو 26 هللة تقريبًا على مستوى إجمالي الربح مقابل كل ريال إيراد، قبل احتساب بقية المصروفات التشغيلية والتمويلية.

وهذا يفسر لماذا لا يمكن اختزال أزمة كهذه في بند محاسبي واحد.

أين ذهبت المبيعات؟

أرجعت الشركة تراجع أدائها إلى مجموعة من الأسباب؛ من بينها انخفاض مبيعات الفروع، وتراجع إيرادات العقود والامتياز التجاري، وعدم وجود عقود حج خلال بعض الفترات، إضافة إلى خسائر هبوط في قيمة الممتلكات والمعدات والاستثمارات، وحصة الشركة من خسائر شركة زميلة.

وخلال الربع الثاني من 2026 أغلقت ريدان ثمانية مواقع هي الوزيرية، والسنابل، والحرمين، والسامر، والشرائع، والتيسير، والزايدي، والمدينة 2. وقالت الشركة إن تراجع مبيعات المطاعم وغياب مبيعات الإعاشة وإغلاق هذه المواقع كان من أسباب انخفاض الإيرادات.

اقتصاديًا، يخلق إغلاق الفروع معادلة معقدة.

إغلاق الفرع الخاسر قد يكون قرارًا صحيحًا، لأنه يوقف نزيف الإيجارات والرواتب والتكاليف التشغيلية. لكنه في المقابل يقلص شبكة توليد الإيرادات. ولذلك لا يمكن تقييم برنامج إغلاق الفروع بعدد المواقع المغلقة، بل بالسؤال عما إذا كانت التكاليف التي تم التخلص منها أكبر من الإيرادات وهوامش الربح التي فُقدت.

وإذا لم ترتفع إنتاجية الفروع المتبقية أو تظهر مصادر إيرادات جديدة، فقد تتحول عملية التقليص من «إعادة هيكلة» إلى مجرد انكماش في حجم الشركة.

هل المشكلة في قطاع المطاعم السعودي؟

هنا تصبح المقارنة مع الاقتصاد المحلي مفيدة.

فبيانات وزارة التجارة تظهر أن عدد السجلات التجارية في قطاع خدمات الإقامة والطعام نما بنحو 10% خلال 2024، بينما ارتفع عدد سجلات نشاط المطاعم وخدمات الأطعمة المتنقلة بنحو 10% إلى أكثر من 136 ألف سجل، ونمت سجلات خدمات الطعام بنسبة 33%.

كما أظهرت الهيئة العامة للإحصاء أن أنشطة خدمات الطعام والمشروبات في المملكة سجلت إيرادات تشغيلية بنحو 90.3 مليار ريال خلال 2024.

لا تكفي هذه الأرقام وحدها للقول إن جميع شركات المطاعم كانت تحقق نموًا أو أرباحًا؛ فزيادة السجلات التجارية لا تعني بالضرورة زيادة الطلب أو ارتفاع هوامش الربح.

لكنها تقدم سياقًا مهمًا: الصعوبات التي واجهتها ريدان حدثت في سوق يشهد توسعًا واضحًا في عدد المنشآت والمنافسين، وليس في قطاع اختفى منه النشاط الاقتصادي.

وهذا يحول النقاش من تفسير الأزمة فقط بالظروف الخارجية إلى أسئلة تخص القدرة التنافسية للشركة، ومزيج المنتجات، وكفاءة شبكة الفروع، والعقود، والتكاليف، ونموذج الامتياز والإعاشة.

جراحة رأس المال لا تعالج المحرك

أحد أكثر الدروس أهمية في حالة ريدان يتعلق بالفرق بين معالجة الميزانية ومعالجة نموذج الأعمال.

في نوفمبر 2025 خفضت الشركة رأس مالها للمرة الثانية، هذه المرة من نحو 158.1 مليون ريال إلى 73.1 مليون ريال، عبر إلغاء نحو 8.5 ملايين سهم، بهدف إطفاء قرابة 84.95 مليون ريال من الخسائر المتراكمة.

وبعد العملية انخفضت الخسائر المتراكمة إلى نحو 26.25 مليون ريال، بما يعادل 35.8% من رأس المال.

على الورق، كان هذا تحسنًا كبيرًا.

لكن بعد أشهر قليلة، أظهرت نتائج نهاية 2025 ارتفاع الخسائر المتراكمة مجددًا إلى نحو 56 مليون ريال، أو 76.6% من رأس المال. ثم ارتفعت إلى 62.1 مليون ريال، أو 84.9% في نهاية مارس 2026، قبل أن تبلغ 78.3 مليون ريال، أو 107% في نهاية يونيو.

وهنا تكمن أهم نقطة في الحالة كلها:

خفض رأس المال يستطيع إطفاء الخسائر المتراكمة محاسبيًا، لكنه لا يوقف الشركة عن إنتاج خسائر جديدة.

وهذا ليس استنتاجًا نظريًا فقط. ففي توصية ريدان الجديدة بخفض رأس المال، أوضحت الشركة نفسها أن التخفيض لا يترتب عليه أثر جوهري في التزاماتها أو عملياتها أو أدائها المالي والتشغيلي.

تخفيض رأس المال، بهذا المعنى، يشبه إعادة ترتيب الميزانية بعد أن أصابها الضرر. إنه قد يعالج تشوه الهيكل الرأسمالي، لكنه لا يرفع مبيعات المطاعم، ولا يوقع عقد إعاشة، ولا يحسن هامش الربح في الفرع.

وللمرة الثالثة.. تخفيض ثم زيادة

في مايو 2026 أوصى مجلس إدارة ريدان بإعادة هيكلة جديدة لرأس المال.

تقضي الخطة، الخاضعة للموافقات اللازمة، بخفض رأس المال من نحو 73.14 مليون ريال إلى 21.94 مليون ريال، أي بنسبة 70%، لإطفاء نحو 51.2 مليون ريال من الخسائر المتراكمة. وهذه المرة اقترحت الشركة تنفيذ التخفيض عبر خفض القيمة الاسمية للسهم من عشرة ريالات إلى ثلاثة ريالات، مع بقاء عدد الأسهم عند نحو 7.31 ملايين سهم.

ثم تأتي الخطوة المختلفة اقتصاديًا: زيادة رأس المال عبر طرح حقوق أولوية بقيمة 105 ملايين ريال، تقول الشركة إنها تستهدف من خلالها دعم رأس المال العامل، وتعزيز المركز المالي، وتنفيذ خططها التوسعية.

والفرق بين العمليتين جوهري.

تخفيض رأس المال في حد ذاته لا يضيف أموالًا جديدة إلى خزينة الشركة؛ أما إصدار حقوق أولوية ناجح فيمكن أن يجلب سيولة جديدة فعلية من المساهمين.

لكن دخول الأموال ليس نهاية القصة.

إذا كان النشاط التشغيلي لا يزال يستهلك رأس المال بدلًا من تحقيق عائد عليه، فإن زيادة رأس المال قد تتحول إلى تمويل لفترة إضافية من الخسائر. ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الصحيح ليس فقط: هل تستطيع ريدان جمع 105 ملايين ريال؟

بل: ما العائد الذي يستطيع النشاط تحقيقه على هذه الأموال بعد جمعها؟

التحذير الأهم ربما ليس 107%

قد يجذب رقم 107% العناوين، لكن هناك رقمًا آخر لا يقل أهمية: 64.9 مليون ريال.

هذا هو عجز رأس المال العامل الذي أشار إليه مراجع الحسابات بنهاية يونيو 2026، بعد أن كان نحو 60 مليون ريال بنهاية 2025، ونحو 35.2 مليون ريال بنهاية 2024.

رأس المال العامل، في أبسط تعريفاته، ينظر إلى العلاقة بين الأصول المتداولة التي يمكن تحويلها إلى نقد أو استخدامها خلال الأجل القصير، وبين الالتزامات التي ينبغي سدادها خلال الفترة نفسها.

وعندما تكون المطلوبات المتداولة أكبر من الموجودات المتداولة بمقدار كبير، فهذا يعني أن الشركة تواجه ضغطًا في السيولة قصيرة الأجل، حتى لو كانت لديها أصول أخرى على المدى الطويل.

ولهذا لفت مراجع الحسابات الانتباه منذ نتائج 2024، ثم 2025، ومرة أخرى في النصف الأول من 2026، إلى وجود عدم تأكد جوهري متعلق بالاستمرارية.

وهذه العبارة تحتاج هي الأخرى إلى تفسير دقيق.

«الاستمرارية» هي الافتراض المحاسبي الذي يقوم على أن الشركة ستواصل نشاطها في المستقبل المنظور ولن تضطر إلى التصفية أو التوقف القسري.

وجود «عدم تأكد جوهري» لا يعني أن مراجع الحسابات أعلن إفلاس الشركة، ولا أنه أصدر رأيًا معارضًا على قوائمها. بل إن تقرير النصف الأول من 2026 أشار إلى أن النتيجة غير معدلة، مع لفت الانتباه إلى وجود ظروف قد تثير شكًا جوهريًا حول قدرة الشركة على الاستمرار، فيما أعدت الإدارة القوائم على أساس الاستمرارية اعتمادًا على نجاح خططها التشغيلية والمالية.

والفارق مهم بين القول: «الشركة ستفشل»، والقول: «هناك عدم يقين جوهري يستوجب مراقبة قدرتها على تنفيذ خطة الإنقاذ».

وماذا يقول النظام السعودي؟

بلوغ الخسائر أكثر من رأس المال لا يؤدي، في حد ذاته، إلى حل شركة المساهمة تلقائيًا.

تنص المادة 132 من نظام الشركات السعودي على أنه إذا بلغت خسائر شركة المساهمة نصف رأس المال المصدر، وجب على مجلس الإدارة الإفصاح عن ذلك وعن توصياته بشأن الخسائر خلال 60 يومًا من تاريخ علمه بها، ودعوة الجمعية العامة غير العادية للاجتماع خلال 180 يومًا للنظر في استمرار الشركة واتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة الخسائر، أو حلها.

كما تطبق السوق المالية السعودية إجراءات خاصة على الشركات المدرجة عندما تبلغ خسائرها المتراكمة 20% أو أكثر من رأس المال، مع تصنيف الشركات بحسب مستوى الخسائر، وصولًا إلى فئة الشركات التي تبلغ خسائرها 50% أو أكثر.

إذن، النظام لا يقول إن بلوغ الخسائر 50% أو 100% يعني نهاية الشركة بصورة آلية.

بل ينقل القرار إلى مستوى أعلى من الحوكمة: إفصاح، وتوصيات من مجلس الإدارة، وجمعية عامة غير عادية، وإجراءات لمعالجة الخسائر أو اتخاذ قرار بشأن استمرار الشركة.

وهذه الآلية تحاول تحقيق توازن بين أمرين: إعطاء الشركة فرصة لإعادة الهيكلة، وحماية المساهمين والدائنين من استمرار النشاط من دون معالجة واضحة للتدهور المالي.

ما الذي يجب أن يحدد نجاح خطة الإنقاذ؟

يمكن قراءة خطة ريدان المعلنة من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة.

الأول هو استعادة الإيرادات. وتقول الشركة إنها تعتزم تعويض انخفاض المبيعات، وتنويع منتجات الفروع القائمة، والتركيز على قطاع الإعاشة، والدخول في اتفاقيات استراتيجية طويلة الأجل، وإعادة هيكلة نموذج الامتياز.

لكن نمو الإيرادات وحده لا يكفي.

البعد الثاني هو اقتصاديات النشاط نفسه. فحين يصبح هامش إجمالي الربح سالبًا، فإن إضافة مبيعات جديدة بالشروط الاقتصادية نفسها قد تضيف حجمًا من دون أن تضيف قيمة. لذلك سيكون من المهم مراقبة عودة إجمالي الربح إلى المنطقة الموجبة، ثم تحسن الهوامش تدريجيًا.

والبعد الثالث هو السيولة. فالعمل التجاري قد يمتلك أصولًا وعلامة تجارية وفروعًا، لكنه يظل معرضًا للضغط إذا لم يولد نقدًا كافيًا لتغطية التزاماته عند الاستحقاق.

وبالتالي فإن نجاح إعادة الهيكلة لا يقاس بانخفاض نسبة الخسائر المتراكمة بعد التخفيض مباشرة، لأنها ستنخفض بحكم العملية المحاسبية نفسها.

الاختبار الأصعب يبدأ بعد التخفيض.

هل ترتفع المبيعات؟ هل يتحول إجمالي الخسارة إلى إجمالي ربح؟ هل يتراجع عجز رأس المال العامل؟ هل تصبح التدفقات التشغيلية قادرة على تمويل النشاط بدل الاعتماد المتكرر على رأس مال جديد؟

هذه هي المؤشرات التي تستطيع التفريق بين إعادة هيكلة حقيقية وإعادة ترتيب محاسبي للمشكلة.

درس من الاقتصاد المحلي: نمو السوق لا يحمي كل شركة

تقدم حالة ريدان أيضًا درسًا أوسع عن طبيعة الاقتصاد.

فالاقتصاد قد ينمو، والقطاع قد يستقطب شركات جديدة، والطلب الكلي قد يتوسع، ومع ذلك يمكن أن تتعرض شركة بعينها للتعثر.

بل إن نمو السوق قد يزيد الضغوط أحيانًا، لأنه يجذب منافسين أكثر ويرفع توقعات المستهلكين ويجبر الشركات القائمة على تطوير منتجاتها وتجربة العميل وكفاءة التوصيل والتسعير والإدارة.

ولهذا لا ينبغي أن نساوي بين جاذبية القطاع وجودة الشركة العاملة فيه.

أرقام وزارة التجارة عن توسع قاعدة المنشآت العاملة في أنشطة الطعام والمطاعم خلال 2024 تشير إلى سوق نشط، لكنها تعني في الوقت نفسه منافسة أكثر كثافة.

وهنا تتحول حالة ريدان من قصة عن مطاعم إلى درس اقتصادي أكثر عمومية: الشركة لا تتنافس فقط على المبيعات، بل على قدرتها على تحويل تلك المبيعات إلى هامش، والهامش إلى تدفق نقدي، والتدفق النقدي إلى عائد مستدام على رأس المال.

المشكلة ليست في الخسارة.. بل في قدرتها على العودة

يمكن للشركات أن تخسر عامًا ثم تتعافى. ويمكن أن تخفض رأس المال بعد أزمة استثنائية ثم تبدأ دورة نمو جديدة.

لكن ما يجعل الحالة أكثر تعقيدًا هو تكرار دورة إطفاء الخسائر ثم عودتها.

فريدان خفضت رأس مالها بصورة كبيرة في 2022 لإطفاء خسائر متراكمة، ثم احتاجت إلى تخفيض آخر في 2025، وبعد أشهر عادت الخسائر إلى مستوى تجاوز كامل رأس المال، فيما أصبح تخفيض ثالث وزيادة جديدة لرأس المال جزءًا من خطة المعالجة.

وهنا يقدم التاريخ المالي للشركة اختبارًا مفيدًا لأي خطة إنقاذ مستقبلية:

إذا عولجت الخسائر في الميزانية بينما بقيت أسباب توليد الخسارة داخل نموذج الأعمال، فإن الخسائر تستطيع العودة.

ولهذا فإن عملية الإنقاذ الحقيقية لا تبدأ بإطفاء الرقم القديم، بل بمنع تكوّن الرقم الجديد.

من 107% إلى السؤال الحقيقي

رقم «107% من رأس المال» جذاب لأنه كبير وصادم، لكنه ليس القصة كاملة.

القصة هي شركة تراجعت إيراداتها، وضعفت هوامشها، وأغلقت فروعًا، وفقدت مصادر من إيرادات العقود، وسجلت خسائر هبوط في بعض أصولها واستثماراتها، وأصبحت تعاني عجزًا كبيرًا في رأس المال العامل، وخضعت لأكثر من عملية إعادة هيكلة لرأس المال.

وفي المقابل، تملك الشركة مسارًا معلنًا للمعالجة يقوم على خفض التكاليف، وتحسين مبيعات الفروع القائمة، والتركيز على الإعاشة والعقود طويلة الأجل، وإعادة هيكلة الامتياز، وإعادة بناء رأس المال من خلال التخفيض ثم حقوق الأولوية.

لذلك لا يمكن الجزم من رقم واحد بأن ريدان ستنجح أو تفشل.

لكن يمكن القول إن عبء الإثبات تغير.

بعد تكرار عمليات إعادة هيكلة رأس المال، لم يعد كافيًا أن تنخفض نسبة الخسائر المتراكمة على الورق. الاختبار الاقتصادي أصبح قدرة النشاط على تحقيق مبيعات بهوامش موجبة، وتوليد تدفقات نقدية كافية، وتقليص عجز رأس المال العامل، ثم تحقيق عائد على أي رأس مال جديد يُضخ في الشركة.

وهذا ربما يكون أهم درس تقدمه حالة ريدان:

رأس المال يستطيع شراء الوقت، وإعادة الهيكلة تستطيع تنظيف الميزانية، لكن النشاط التشغيلي وحده هو الذي يستطيع صناعة الاستمرارية.

إخلاء مسؤولية: أُعدّت هذه المادة بإشراف محرر “يمامة إنسايتس” وبمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي لأغراض التثقيف المالي، ولا تُعد توصية بالشراء أو البيع أو الاحتفاظ بأي ورقة مالية، كما أنّها تعبّر عن آراء أصحابها وليس رأي المنصة.