في السوق المالية، لا يكفي أن تحقق الشركة أرباحًا جيدة حتى يرتفع سهمها. وقد تكون المنشأة ناجحة من الناحية التشغيلية، بينما يرى المستثمرون أن السعر الذي طُرحت به كان مرتفعًا، أو أن نموها المستقبلي لا يزال غير واضح، أو أن التداول على سهمها أضعف من أن يعكس نتائجها بصورة عادلة.
تقدم شركة لمسات مثالًا سعوديًا واضحًا لهذه المفارقة.
فالشركة التي تصف نفسها بأنها أول شركة متخصصة في قطاع التجميل مدرجة في السوق السعودية حققت في 2025 نموًا في المبيعات والأرباح، وحافظت على هامش ربح مرتفع. ومع ذلك، أصبح سهمها أدنى من سعر الطرح بنحو الربع.
هذه ليست بالضرورة قصة شركة تتراجع أعمالها.
إنها، بدرجة أكبر، قصة سوق يعيد تسعير ما كان يتوقعه منها.
من الصالون إلى شاشة التداول
يتميز إدراج لمسات بأنه نقل نشاطًا خدميًا محليًا - الصالونات النسائية والعناية الشخصية - إلى البيئة النظامية للشركات المدرجة، بما تتطلبه من إفصاح دوري، وقوائم مالية مدققة، وحوكمة، ومساءلة أمام المساهمين.
طرحت الشركة ستة ملايين سهم بسعر 5.75 ريال للسهم، وأصبح رأس مالها بعد الطرح 81 مليون ريال، موزعًا على 81 مليون سهم. وهذا يعني أن تقييمها عند الاكتتاب بلغ نحو 465.75 مليون ريال.
كما حصلت الشركة من الطرح على متحصلات إجمالية قدرها 34.5 مليون ريال، كان الغرض المعلن منها تطوير الأصول القائمة وإنشاء أصول جديدة.
وتعرض نشرة الإصدار المرفقة تفاصيل نموذج العمل والمخاطر والتوسع واستخدام المتحصلات.
لكن المستثمر في الاكتتاب لم يكن يشتري أرباح عام واحد فقط. كان يدفع مقابل توقعات تتعلق بقدرة العلامة التجارية على التوسع إلى مدن جديدة، وتوحيد جودة الخدمة، وزيادة إنفاق العميلة، وتحويل شبكة الفروع إلى نموذج يمكن تكراره على نطاق أوسع.
وهنا يبدأ الاختلاف بين قيمة الشركة التشغيلية وسعر سهمها.
نتائج جيدة… لكن قراءتها تحتاج إلى أكثر من رقم
ارتفعت إيرادات لمسات في 2025 إلى 145.59 مليون ريال، مقابل 136.04 مليون ريال في 2024.
وزاد إجمالي الربح بنسبة 24.46% إلى 46.96 مليون ريال، فيما ارتفع الربح التشغيلي بنسبة 14.09% إلى 35.12 مليون ريال، وصعد صافي الربح بنسبة 7.28% إلى 33.70 مليون ريال.
ويكشف ترتيب هذه النسب قصة أكثر أهمية من مجرد ارتفاع المبيعات:
- الإيرادات ارتفعت 7%.
- إجمالي الربح ارتفع 24.5%.
- الربح التشغيلي ارتفع 14.1%.
- صافي الربح ارتفع 7.3%.
ارتفع هامش إجمالي الربح - وهو ما يتبقى من المبيعات بعد خصم التكلفة المباشرة لتقديم الخدمات - من نحو 27.7% إلى 32.3%. كما تحسن هامش التشغيل من 22.6% إلى 24.1%.
هذا تحسن تشغيلي واضح؛ إذ حققت الشركة ربحًا أكبر من كل ريال مبيعات قبل المصروفات التمويلية والزكوية والبنود الأخرى.
أما هامش صافي الربح، وهو ما يتبقى في النهاية للمساهمين، فبلغ نحو 23.15% مقابل 23.09% في العام السابق.
لذلك فالأدق القول إن الشركة حافظت على هامش صافٍ مرتفع ومستقر، لا إنها حققت ارتفاعًا كبيرًا فيه.
هل صنع التسويق هذا النمو؟
أرجعت الشركة ارتفاع الإيرادات إلى توسيع أساليب الدعاية والعروض داخل الفروع، مشيرة إلى زيادة مرتبطة بهذه الأنشطة بلغت نحو 85% مقارنة بالعام السابق.
ويمكن تفسير النتيجة باستخدام مفهوم اقتصادي يسمى الرافعة التشغيلية.
تعني الرافعة التشغيلية أن الشركة تستطيع زيادة مبيعاتها من خلال الأصول والموظفين والفروع القائمة، من دون أن ترتفع جميع التكاليف بالنسبة نفسها. فإذا كان الفرع مفتوحًا أصلًا ويدفع إيجاره ورواتبه، فإن جذب عميلات إضافيات قد يرفع الإيرادات أسرع من ارتفاع التكلفة.
لكن القول إن المبيعات زادت «من دون زيادة المصروفات الثابتة» سيكون جازمًا أكثر من اللازم. فالأرقام توضح أن بعض المكاسب القوية في إجمالي الربح استُهلكت لاحقًا في مصروفات تشغيلية وإدارية وأخرى.
والأدق أن نقول:
نمت الإيرادات أسرع من بعض التكاليف المباشرة، فتحسنت الكفاءة التشغيلية، لكن المصروفات لم تبقَ ثابتة بالكامل.
وهذا فارق مهم في التحليل المالي.
فنجاح الحملة التسويقية لا يقاس بعدد العملاء الجدد وحده، بل بما إذا كانت أرباح هؤلاء العملاء تتجاوز تكلفة استقطابهم.
خمسة أنشطة… ونموذج يريد أن يصبح أبسط
قدمت نشرة الإصدار نموذجًا يضم خدمات التزيين النسائي، والعناية الشخصية، وبيع منتجات التجميل بالتجزئة، والبيع الإلكتروني، وخدمات التصوير والاستديوهات.
وكان النشاط الأساسي للصالونات والعناية والمنتجات يمثل الجزء الأكبر بوضوح من أعمال الشركة.
قرار الخروج من الاستديوهات يمكن فهمه بوصفه ممارسة لما يسمى تخصيص رأس المال:
أي اختيار الإدارة للأنشطة التي تستحق أن تُوجَّه إليها أموال الشركة ووقتها وموظفوها.
النشاط الصغير الذي لا يحقق عائدًا مناسبًا لا يصبح ذا قيمة لمجرد أنه يضيف بندًا جديدًا إلى قائمة الإيرادات.
وقد يكون إغلاقه أفضل من الاستمرار في تمويله؛ لأنه يقلل التعقيد الإداري، ويحرر الموارد لصالح النشاط الأساسي، ويجعل هوية الشركة أوضح أمام المستثمرين.
لكن هذا القرار سيُحكم عليه في النهاية من خلال سؤالين:
هل ستنخفض الخسائر والمصروفات بعد الإغلاق؟
وهل سيعاد استثمار الموارد المحررة في فروع وخدمات تحقق عائدًا أعلى؟
أما البيع الإلكتروني، فلا يصح اعتباره نشاطًا ملغى قبل ظهور إفصاح رسمي صريح.
وقد تختار الشركة بدلًا من الإلغاء تحويل القناة الرقمية من متجر مستقل إلى وسيلة للحجز والتسويق وبيع المنتجات المرتبطة بالخدمات.
لماذا هبط السهم رغم هذه الأرباح؟
كان سعر الطرح 5.75 ريال، بينما أظهرت لقطة السوق سعرًا قدره 4.20 ريال. وبوجود 81 مليون سهم، تكون القيمة السوقية قد انتقلت من نحو 465.75 مليون ريال عند الطرح إلى نحو 340.2 مليون ريال، بانخفاض يقترب من 27%.
عندما تنخفض القيمة السوقية، لا يعني ذلك أن مبلغًا مماثلًا خرج من حساب الشركة البنكي.
القيمة السوقية هي سعر السهم مضروبًا في عدد الأسهم؛ ولذلك فهي تعبر عن السعر الذي يقبل المشترون والبائعون التعامل عنده، لا عن حجم النقد الموجود لدى الشركة.
وعند قياس القيمة الحالية إلى صافي أرباح 2025، يتداول السهم عند ما يقارب عشرة أضعاف الأرباح. ويسمى هذا المؤشر مضاعف الربحية (مكرر الأرباح):
أي عدد الريالات التي يدفعها المستثمر مقابل كل ريال واحد من أرباح الشركة السنوية.
وبالمقارنة، كان تقييم الطرح يعادل نحو 13.8 مرة أرباح 2025 نفسها. أي إن الأرباح ارتفعت، لكن السعر الذي يقبل السوق دفعه مقابل هذه الأرباح انخفض. وهذا ما يسمى انكماش مضاعف التقييم.
المشكلة، إذن، ليست بالضرورة في الأرباح الحالية.
قد تكون في أن المستثمرين أصبحوا أقل استعدادًا لدفع سعر مرتفع مقابل توقعات النمو المستقبلية.
سيولة محدودة وسعر أكثر حساسية
تظهر لقطة السوق 13 صفقة فقط بحسب بيانات تداول اليوم الخميس 16 يوليو 2026، وكمية متداولة تبلغ 2,680 سهمًا، بقيمة نحو 11.3 ألف ريال.
وهذه أرقام تداول محدودة للغاية مقارنة بإجمالي أسهم الشركة البالغ 81 مليون سهم.
وتساعد هذه النقطة على فهم طبيعة «نمو». ففي الأسواق محدودة السيولة - أي التي يقل فيها عدد المشترين والبائعين وحجم التداول - قد يؤدي أمر بيع صغير نسبيًا إلى تحريك السعر بوضوح.
ولذلك لا يكون آخر سعر تداول دائمًا استفتاءً واسعًا ودقيقًا على القيمة الحقيقية للشركة.
فقد يعكس ببساطة غياب مشترٍ في تلك اللحظة أو رغبة مساهم محدود في البيع.
لكن ضعف السيولة ليس عذرًا يمكن تجاهله؛ فهو جزء من تقييم السهم. فالمستثمر عادة يطلب سعرًا أقل عندما يعتقد أنه قد يواجه صعوبة في بيع استثماره مستقبلًا.
ما الذي ينبغي مراقبته بعد ذلك؟
لن تكون زيادة عدد الفروع وحدها دليلًا كافيًا على النجاح.
الأهم هو معرفة أداء كل فرع على حدة. وسيحتاج المستثمر إلى متابعة خمسة أسئلة رئيسية:
هل ترتفع مبيعات الفروع القائمة؟
يسمى ذلك نمو المبيعات المماثلة، وهو يفرق بين نمو حقيقي داخل الفروع وبين نمو ناتج فقط من افتتاح مواقع جديدة.
هل يزيد متوسط إنفاق العميلة؟
فقد ترتفع الإيرادات بسبب زيادة الأسعار أو إضافة خدمات ومنتجات جديدة، لا بسبب ارتفاع عدد العميلات.
كم تبلغ إنتاجية الموظفة والكرسي وساعة العمل؟
نشاط الصالونات يعتمد على الكفاءات البشرية؛ ولذلك تمثل جودة العاملات واستقرارهن وتدريبهن عنصرًا ماليًا، لا مجرد مسألة إدارية.
كم يحتاج الفرع الجديد لاسترداد تكلفته؟
يعرف ذلك بفترة الاسترداد. وكلما كانت أقصر، أصبح التوسع أكثر قدرة على خلق القيمة.
هل تتحول الأرباح المحاسبية إلى تدفقات نقدية؟
فقد تعلن الشركة أرباحًا جيدة، لكن التوسع في الفروع والمخزون والتجهيزات يستهلك النقد. والنقد هو ما يمول التوزيعات والنمو من دون الحاجة المستمرة إلى اقتراض أو زيادة رأس المال.
شركة جيدة أم سهم جيد؟
تبدو نتائج لمسات لعام 2025 جيدة من الناحية التشغيلية. الإيرادات ارتفعت، وإجمالي الربح نما بسرعة أكبر، وتحسن هامش التشغيل، وحافظت الشركة على هامش صافٍ يتجاوز 23%.
لكن السوق لا يسأل فقط: هل الشركة تربح؟
إنه يسأل أيضًا: هل هذه الهوامش قابلة للاستمرار؟ هل يمكن تكرار تجربة الفروع في مدن أخرى؟ هل تستطيع الشركة الحفاظ على جودة الخدمة مع التوسع؟ وهل توجد سيولة كافية في السهم تسمح بتكوين سعر أكثر كفاءة؟
درس لمسات هو أن الشركة والسهم ليسا شيئًا واحدًا. قد تكون الشركة ناجحة، لكن سهمها طُرح بسعر يعكس توقعات أعلى من الواقع. وقد يتراجع السهم بينما تتحسن الأعمال، لأن السوق لا يسعر الماضي وحده؛ بل يعيد باستمرار تقدير المستقبل.
والحكم الأكثر اتزانًا حتى الآن هو أن لمسات لا تقدم قصة انهيار تشغيلي، بل تقدم قصة أعمال تتحسن وسوق يعيد تقييم الثمن الذي يستحق أن يدفعه مقابلها.
التعليقات (7)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!