من السهل التعامل مع تكلفة الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع الكهرباء:

استهلكت عددًا معينًا من الوحدات، إذن اضربها في سعر الوحدة لتحصل على الفاتورة.

وفي الذكاء الاصطناعي أصبحت هذه الوحدة هي التوكن.

لكن المشكلة أن التوكن الذي يظهر في فاتورة الشركة ليس هو التكلفة الاقتصادية الكاملة لما حدث داخل مركز البيانات.

خلف كل طلب توجد معالجات وذاكرة وشبكات وطاقة وتخزين، ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من سؤال وجواب بسيط إلى وكلاء يعملون لعشرات الخطوات، بدأت هذه البنية التحتية تتحمل عبئًا مختلفًا تمامًا.

وهنا تظهر مفارقة مهمة:

قد تنخفض تكلفة التوكن، بينما ترتفع فاتورة الذكاء الاصطناعي.

لماذا تستهلك الوكلاء توكنات أكثر؟

المحادثة التقليدية قد تتكون من سؤال ثم إجابة.

أما الوكيل الذكي فقد يقرأ ملفات، ويبحث، ويستدعي أدوات، ويحلل النتائج، ثم يعود إلى المعلومات السابقة قبل أن يتخذ الخطوة التالية.

كل مرحلة يمكن أن تعيد معالجة جزء من السياق.

ولهذا تتوقع Goldman Sachs Research أن يرتفع استهلاك التوكنات عالميًا بنحو 24 مرة بين 2026 و2030 ليصل إلى 120 كوادريليون توكن شهريًا، مدفوعًا خصوصًا بانتشار الوكلاء لدى الشركات والمستهلكين.

وقد بدأت هذه القفزة بالفعل؛ فـGoogle قالت إنها انتقلت من معالجة 9.7 تريليون توكن شهريًا عبر منتجاتها في مايو 2024 إلى أكثر من 3.2 كوادريليون في مايو 2026.

أي أن المسألة ليست فقط كم يكلف التوكن، بل كم توكن أصبحنا نستهلك لإنجاز المهمة نفسها أو مهام أكثر تعقيدًا.

وما علاقة التخزين بالموضوع؟

عندما يتعامل النموذج مع سياق طويل، يحتاج إلى الاحتفاظ بمعلومات تساعده على مواصلة عملية الاستدلال.

جزء مهم من ذلك يسمى KV Cache، وهي بيانات وسيطة تساعد النموذج على عدم إعادة حساب كل شيء من البداية أثناء معالجة السياق.

تقليديًا تعتمد هذه العملية بدرجة كبيرة على ذاكرة المعالج الرسومي السريعة، لكن مع تضخم السياقات وتشغيل عدد كبير من الوكلاء بالتوازي تصبح الذاكرة موردًا محدودًا ومكلفًا.

ولهذا قدمت Nvidia منصة CMX Context Memory Storage، التي تضيف طبقة تخزين عالية الأداء بين ذاكرة الـGPU والتخزين التقليدي، وتستخدم وسائط فلاش للاحتفاظ بالسياق ومشاركته على نطاق أوسع. وتقول الشركة إن هذه البنية يمكن أن ترفع معدل معالجة التوكنات وتقلل استهلاك الطاقة لبعض أعباء العمل طويلة السياق.

بمعنى آخر: التخزين لم يعد مجرد مكان نضع فيه الملفات بعد انتهاء العمل، بل بدأ يصبح جزءًا من عملية الاستدلال نفسها.

عندما يدخل سعر الـSSD في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي

وهنا تظهر مشكلة جديدة.

إذا أصبحت وحدات التخزين المؤسسية جزءًا أكبر من البنية التحتية المطلوبة للذكاء الاصطناعي، فإن تغير أسعارها يؤثر في تكلفة التشغيل.

وخلال 2026 شهد سوق الذاكرة والتخزين ضغوطًا قوية؛ فقد قالت TrendForce إن أسعار عقود Enterprise SSD ارتفعت بنحو 80% في الربع الأول نتيجة الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي ونقص المعروض، ثم استمرت ضغوط الأسعار خلال العام. وفي الربع الرابع توقعت ارتفاع أسعار NAND Flash عمومًا بنحو 15–20% على أساس فصلي.

وهذا يوضح لماذا لا ينبغي النظر إلى GPU وحده عند حساب تكلفة الذكاء الاصطناعي.

لكن أليست التقنية تصبح أرخص؟

نعم، وهذه النقطة مهمة.

تقدّر Goldman Sachs أن التطور في أشباه الموصلات يخفض تكلفة الحوسبة لكل توكن بنحو 60–70% سنويًا في بعض أعباء الاستدلال.

لكن انخفاض تكلفة الوحدة لا يضمن انخفاض الفاتورة.

إذا انخفض سعر التوكن إلى النصف، بينما زاد استهلاك الشركة عشرة أضعاف بسبب انتشار الوكلاء، فإن إجمالي الإنفاق سيرتفع.

هذه هي الظاهرة نفسها التي نراها في قطاعات أخرى: عندما يصبح استخدام مورد أرخص وأسهل، قد نستهلك منه أكثر بكثير.

من الاشتراك الثابت إلى تكلفة الاستخدام

وهنا تبدأ القضية الإدارية.

أشارت Harvard Business Review إلى أن بعض شركات البرمجيات دعمت تكاليف ميزات الذكاء الاصطناعي في مرحلة التبني الأولى، بينما تتجه السوق تدريجيًا نحو نماذج تربط التكلفة بالاستخدام الفعلي بصورة أكبر.

ولهذا لن يكون السؤال المالي للشركات مستقبلًا:

كم سعر المليون توكن؟

بل:

كم مرة يعمل الوكيل؟ وكم سياقًا يعيد قراءته؟ وكم ذاكرة وتخزينًا يحتاج؟ وما القيمة الاقتصادية التي ينتجها مقابل كل ذلك؟

فالتحول الحقيقي في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي قد لا يكون مجرد ارتفاع أو انخفاض سعر التوكن.

بل الانتقال من مرحلة كان فيها الذكاء الاصطناعي ميزة إضافية داخل البرنامج إلى مرحلة يصبح فيها موردًا تشغيليًا يجب قياس عائده وإدارة استهلاكه مثل أي تكلفة أخرى في الشركة.