عندما نسمع كلمة «مؤثر»، غالبًا ما نتخيل شخصًا شابًا يصنع محتوى باستمرار، يتابع أحدث الترندات، ويملك آلاف أو ملايين المتابعين.
لكن ماذا لو كانت إحدى أكبر الفرص التسويقية موجودة لدى جيل لم يُنظر إليه أصلًا بهذه الطريقة؟
يناقش مقال في The Guardian صعود جيل X على منصات التواصل الاجتماعي. هذا الجيل، الذي تتراوح أعماره حاليًا تقريبًا بين 46 و61 عامًا، قد لا يكون الأكثر ارتباطًا بثقافة المؤثرين، لكنه يمتلك شيئًا مهمًا جدًا بالنسبة للشركات: قوة شرائية كبيرة وخبرة وثقة قد تتحول إلى تأثير حقيقي في قرارات المستهلكين.
ومن هنا لفت انتباهي سؤال مختلف: هل عدد المتابعين والعمر هما فعلًا ما يحدد قيمة المؤثر بالنسبة للشركة؟ أم أن الأهم هو من يستطيع التأثير في قرار الشراء؟
جيل قد يكون أكبر من مجرد جمهور
بحسب ما أورده المقال نقلًا عن المنتدى الاقتصادي العالمي، لو اعتُبر جيل X دولة مستقلة، لكان ثاني أكبر سوق استهلاكي في العالم. والأكثر لفتًا للانتباه أن نساء هذا الجيل يؤثرن في نحو 70% إلى 80% من الإنفاق الاستهلاكي.
وهذه الأرقام تغيّر طريقة النظر إلى هذا الجيل.
فبالنسبة للشركات، المسألة ليست فقط تحديد الفئة التي تقضي وقتًا أطول على TikTok أو Instagram، بل تحديد الفئة التي تمتلك القدرة والرغبة في الإنفاق.
فقد يحصل محتوى يستهدف جمهورًا أصغر على مشاهدات أكبر، لكن المشاهدات وحدها لا تظهر في قائمة الدخل.
ما يهم الشركة في النهاية هو: كم من هذا الاهتمام تحوّل إلى مبيعات؟
عندما تصبح الخبرة نفسها منتجًا
يعرض المقال مثالًا مثيرًا للاهتمام: Kathryn Turner، مديرة تطوير المنتجات في M&S Food، والتي تعمل لدى الشركة منذ عام 1995.
بدأت حسابها على TikTok في مايو، وخلال فترة قصيرة أصبحت بعض مقاطعها تحقق ما يصل إلى مليوني مشاهدة، ووصل عدد متابعيها إلى قرابة 250 ألفًا.
لكن المثير بالنسبة لي ليس الرقم فقط.
Turner لا تحاول الظهور بالصورة التقليدية للمؤثر. جاذبيتها تأتي من شيء أبسط: تبدو كشخص يعرف عمله جيدًا ويتحدث عنه بثقة وهدوء.
وهنا يظهر نوع مختلف من التأثير.
فالعميل قد لا يثق بالشخص لأنه مشهور، بل لأنه يشعر أن لديه خبرة حقيقية في المنتج الذي يتحدث عنه.
وبالنسبة للعلامة التجارية، هذه الثقة لها قيمة اقتصادية.
هل كل مشاهدة لها القيمة نفسها؟
من السهل جدًا أن تقيس الشركة نجاح حملة تسويقية بعدد المشاهدات والإعجابات والمتابعين.
لكن من منظور الأعمال، هذه ليست نهاية القصة.
تخيل أن الشركة أمام خيارين: حملة تحقق خمسة ملايين مشاهدة لكنها تنتج مبيعات محدودة، وحملة أخرى تحقق مليون مشاهدة فقط لكنها تصل إلى جمهور يمتلك قدرة شرائية أعلى ويحقق مبيعات أكبر.
أي حملة كانت أكثر نجاحًا؟
هنا يصبح تقييم التسويق أقرب إلى قرار استثماري.
فالشركة أنفقت موارد للحصول على نتيجة، ولذلك يجب ألا تسأل فقط: كم شخصًا شاهد المحتوى؟ بل أيضًا: ماذا حققت هذه المشاهدات للشركة؟
يمكن أن تدخل في التقييم مؤشرات مثل تكلفة الحملة، والمبيعات الناتجة عنها، ومعدل التحويل، ومتوسط قيمة المشتريات، وحتى احتمال عودة العميل للشراء مرة أخرى.
وبذلك يصبح المؤثر الذي لديه جمهور أصغر لكنه أكثر قدرة على الشراء، في بعض الحالات، أكثر قيمة من حساب يحقق ملايين المشاهدات.
القوة الشرائية تغيّر معادلة التسويق
جزء كبير من التسويق الرقمي يعتمد على جذب الانتباه، ولذلك من الطبيعي أن تتجه العلامات التجارية نحو الفئات الأكثر نشاطًا على المنصات.
لكن جيل X يقدم حالة مختلفة.
فالمقال يشير إلى أن كثيرًا من أفراد هذا الجيل وصلوا إلى مراحل متقدمة في حياتهم المهنية، وأن احتمالية امتلاكهم للمنازل أعلى مقارنة بالأجيال التي تليهم. وفي الوقت نفسه، لديهم احتياجات استهلاكية تمتد إلى مجالات متعددة، من الغذاء والسفر إلى الصحة والجمال والمنزل.
هذا يعني أن الشركة التي تتجاهلهم قد لا تتجاهل مجرد فئة عمرية؛ بل قد تتجاهل جزءًا مهمًا من الطلب الفعلي في السوق.
وهنا أرى أن اختيار الجمهور المستهدف يجب ألا يعتمد فقط على من يصنع الضجة الأكبر، وإنما على من يستطيع في النهاية خلق قيمة اقتصادية أكبر للشركة.
لكن الانتشار لا يضمن المبيعات
في الوقت نفسه، وجود قوة شرائية لدى جيل معين لا يعني أن أي حملة تستهدفه ستكون ناجحة.
قد تحقق شخصية انتشارًا واسعًا لأنها محبوبة أو مختلفة، لكن الشركة لا تستطيع تسجيل «الإعجابات» كإيراد.
ولهذا يجب الفصل بين الانتشار والقيمة المالية.
الانتشار قد يكون البداية؛ فهو يزيد الوعي بالعلامة التجارية ويجذب الانتباه. لكن إذا لم يتحول مع الوقت إلى شراء أو ولاء أو زيادة في قيمة العميل، فسيكون من الصعب اعتبار الحملة ناجحة من منظور مالي.
ماذا يرى المحاسب؟
قد يرى فريق التسويق 250 ألف متابع أو مليوني مشاهدة ويعتبرها علامة نجاح.
أما المحاسب، فسيسأل أسئلة مختلفة:
كم كلفتنا الحملة؟ كم من الإيرادات ارتبط بها؟ ما تكلفة اكتساب العميل؟ هل ارتفع متوسط الإنفاق؟ وهل العملاء الذين وصلوا من خلال هذا المحتوى سيشترون مرة واحدة أم سيعودون مرة أخرى؟
ومن وجهة نظري، هنا تظهر أهمية الربط بين التسويق والمحاسبة.
فالتسويق يصنع الاهتمام، لكن الأرقام تكشف ما إذا كان هذا الاهتمام تحول إلى قيمة.
وقصة صعود جيل X كمؤثرين تذكرنا أيضًا بأن الشركة قد تخطئ عندما تحدد قيمة الجمهور بناءً على عمره أو عدد متابعيه فقط.
أحيانًا يكون الجمهور الأكثر قيمة ليس هو الأعلى صوتًا على الإنترنت، بل الأكثر قدرة على تحويل التأثير إلى قرار شراء.
لذلك ربما لا يكون السؤال الذي يجب أن تسأله الشركات: من هو المؤثر الأكثر شهرة؟
بل:
من هو المؤثر الذي يستطيع فعلًا التأثير في العميل الذي نريد الوصول إليه؟
التعليقات (3)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!