مطعمان في الشارع نفسه.
كلاهما يستقبل الطلب إلكترونيًا، ويقدم الوجبات بسرعة، ويراقب تكاليفه، ويحاول تقليل الهدر. حتى تجربة الطلب والدفع أصبحت متشابهة إلى حد كبير.
من الناحية التشغيلية، قد يكون الاثنان جيدين جدًا.
لكن عندما يحين وقت الغداء، يمتلئ أحدهما بالعملاء، بينما يبقى الآخر يبحث عن طريقة لجذبهم.
إذا كانت الشركتان تعملان بكفاءة.. فلماذا تتفوق إحداهما على الأخرى؟
هذا السؤال يقود إلى فكرة مهمة في الإدارة الاستراتيجية: أن تكون جيدًا في تشغيل أعمالك لا يعني بالضرورة أن لديك سببًا يجعل العميل يختارك بدلًا من منافسك.
ومن المفاهيم التي تناولتها مادة الإدارة الاستراتيجية لدى الدكتور@مهران حفيظ الله في جامعة اليمامة التمييز بين الكفاءة التشغيلية والاستراتيجية؛ فرفع كفاءة العمليات مهم، لكنه لا يكفي وحده لبناء ميزة تنافسية مستدامة.
عندما يصبح الجميع أسرع
الكفاءة التشغيلية تعني، بصورة مبسطة، أن تنفذ الشركة أعمالها بطريقة أفضل.
قد تقلل الوقت اللازم لخدمة العميل، أو تحسن استخدام مواردها، أو تخفض الهدر، أو تطور إجراءاتها الداخلية.
وهذه أمور مهمة لأي شركة.
المشكلة تبدأ عندما يستطيع المنافس أن يفعل الشيء نفسه.
إذا أدخل مطعم نظامًا جديدًا يختصر وقت الطلب، يمكن لمطعم آخر استخدام تقنية مشابهة. وإذا أعادت شركة تنظيم عملياتها لتصبح أسرع، يستطيع المنافس دراسة التجربة ومحاولة الوصول إلى النتيجة نفسها.
وهكذا قد تتحول الميزة التي بدت استثنائية في البداية إلى معيار عادي في السوق.
قبل سنوات، كان توفير تطبيق سهل للطلب قد يبدو عاملًا يميز نشاطًا عن آخر. لكن عندما تنتشر التقنية بين المنافسين، يصبح وجودها شيئًا يتوقعه العميل، وليس بالضرورة سببًا كافيًا لاختيار شركة بعينها.
وهنا يظهر الفرق بين تحسين طريقة العمل وامتلاك سبب للتفوق.
وهذا التمييز ليس جديدًا في أدبيات الإدارة الاستراتيجية؛ فقد فرّق مايكل بورتر (Michael E. Porter) في مقاله الشهير What Is Strategy? عام 1996 بين الكفاءة التشغيلية والاستراتيجية، موضحًا أن أداء الأنشطة بكفاءة أعلى لا يعادل بالضرورة امتلاك موقع استراتيجي مختلف عن المنافسين.
إذن.. ما الميزة التنافسية؟
تطرح المادة سؤالين أساسيين في الإدارة الاستراتيجية: كيف ينبغي للشركة أن تنافس حتى تحقق ميزة تنافسية؟ وكيف تستطيع بناء ميزة تكون ذات قيمة، وفريدة، ويصعب على المنافسين تقليدها أو إيجاد بديل عنها؟
وهذه النقطة تنقل النقاش من داخل الشركة إلى السوق.
فالسؤال لم يعد فقط:
كيف ننفذ العمل بصورة أفضل؟
بل:
لماذا يختارنا العميل أصلًا؟
قد تكون الإجابة في التكلفة، أو في اختلاف ما تقدمه الشركة، أو في الطريقة التي تخدم بها سوقًا معينًا. ومن المفاهيم التي تتناولها مادة الإدارة الاستراتيجية القيادة في التكلفة (Cost Leadership)، أي قدرة الشركة على المنافسة اعتمادًا على تكلفة أقل، أو التمايز (Differentiation)، أي تقديم قيمة أو خصائص تجعلها مختلفة عن منافسيها في نظر العميل. ويمكن للشركة كذلك أن تركز على شريحة محددة أو تنافس على نطاق أوسع في السوق.
الفرق هنا مهم.
فخفض التكلفة ليس مجرد تقليل المصروفات، والتمايز ليس مجرد إضافة شكل مختلف للمنتج. في الحالتين، المطلوب أن يتحول ما تفعله الشركة إلى قيمة تنافسية حقيقية في السوق.
المطعمان يبيعان الطعام.. لكن ليس بالضرورة الشيء نفسه
لنعد إلى المطعمين.
قد يكون كلاهما سريعًا ونظيفًا ومنظمًا، لكن الأول ينافس على تقديم وجبة جيدة بسعر يصعب على المنافسين مجاراته، بينما بنى الآخر تجربة مختلفة تجعل شريحة من العملاء مستعدة للعودة إليه حتى مع وجود خيارات كثيرة حولها.
في الحالتين، الكفاءة مطلوبة.
لكنها ليست القصة كاملة.
فالعميل لا يدخل عادة إلى المطعم لأنه يعرف أن عملياته الداخلية منظمة، بل لأنه يرى قيمة تدفعه إلى الاختيار.
ومن هنا يمكن فهم سبب إنفاق الشركات باستمرار على تحسين عملياتها، مع استمرار حاجتها في الوقت نفسه إلى استراتيجية واضحة.
الكفاءة تساعد الشركة على العمل جيدًا، أما الاستراتيجية فتجيب عن سؤال: كيف ستنافس؟
المشكلة تبدأ عندما يصبح النجاح قابلًا للنسخ
لنفترض أن مطعمًا نجح لأنه أصبح يقدم الطلب في خمس دقائق بدلًا من عشر.
في البداية، قد يمنحه ذلك أفضلية واضحة.
لكن ماذا يحدث عندما يفعل المنافس الشيء نفسه؟
إذا كانت الميزة كلها قائمة على ممارسة يستطيع الآخرون نسخها بسهولة، فقد تتراجع قدرتها على تمييز الشركة بمرور الوقت.
وهذا يفسر اهتمام الإدارة الاستراتيجية بالسؤال الذي تطرحه المادة: كيف يمكن إنشاء مزايا تكون فريدة وذات قيمة ويصعب تقليدها أو استبدالها؟
فالنجاح في المنافسة لا يتعلق فقط بأن تصبح الشركة أفضل مما كانت عليه بالأمس.
هناك طرف آخر في المعادلة:
المنافس أيضًا يتحسن.
وإذا تحرك الجميع في الاتجاه نفسه وبالسرعة نفسها، فقد ترتفع كفاءة السوق بأكمله من دون أن يحصل أحد بالضرورة على تفوق مستدام.
اليوم مهم.. لكن ماذا عن الغد؟
هذه المفارقة تظهر أيضًا ضمن المفاهيم التي تتناولها مادة الإدارة الاستراتيجية عند الحديث عن الموازنة بين الكفاءة قصيرة الأجل والفعالية طويلة الأجل.
فالمديرون يحتاجون إلى التركيز على الكفاءة في المدى القصير واستغلال الأسواق والموارد الحالية، وفي الوقت نفسه استكشاف فرص جديدة تساعد المنظمة على تحقيق الفعالية على المدى الطويل.
وهذه معادلة ليست سهلة.
فالتركيز الكامل على الحاضر قد يجعل الشركة ممتازة في نموذج عمل يفقد أهميته مستقبلًا. وفي المقابل، الانشغال بالمستقبل مع إهمال العمليات الحالية قد يضعف الأداء الذي تعتمد عليه الشركة اليوم.
لذلك لا تطلب الإدارة الاستراتيجية من الشركة الاختيار بين الاثنين.
بل أن تعرف متى تحسن ما لديها، ومتى تبحث عما سيجعلها مختلفة لاحقًا.
عندما تصبح الكفاءة شرطًا وليست ميزة
في الأسواق التنافسية، يمكن أن تتحول الممارسة المتقدمة اليوم إلى الحد الأدنى المتوقع غدًا.
سرعة الخدمة، سهولة الدفع، جودة العمليات أو استخدام التقنية قد تمنح الشركة تقدمًا في مرحلة معينة، ثم تنتشر بين المنافسين.
وعندها لا تصبح الكفاءة بلا قيمة؛ بل على العكس، قد تصبح شرطًا للبقاء في المنافسة.
لكن البقاء ليس هو التفوق.
ومن هنا يمكن قراءة الفكرة التي تناولتها مادة الدكتور @مهران حفيظ الله بصورة أوسع: الشركة تحتاج إلى أن تعمل بكفاءة، لكنها تحتاج أيضًا إلى التفكير فيما يجعل موقعها التنافسي مختلفًا وذا قيمة ويصعب على الآخرين نسخه.
لذلك، عندما نرى شركة سريعة ومنظمة وتستخدم أحدث الأدوات، يبقى هناك سؤال أهم من الإعجاب بكفاءة عملياتها:
إذا استطاع المنافس أن يفعل الشيء نفسه غدًا.. فما الذي سيجعل العميل يختارها هي؟
المرجع النظري:
Michael E. Porter (1996), What Is Strategy?, Harvard Business Review, November–December 1996.
https://hbr.org/1996/11/what-is-strategy
إخلاء مسؤولية: أُعدّت هذه المادة بإشراف محرر “يمامة إنسايتس” وبمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي لأغراض التثقيف المالي، ولا تُعد توصية بالشراء أو البيع أو الاحتفاظ بأي ورقة مالية، كما أنّها تعبّر عن آراء أصحابها وليس رأي المنصة.
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!