ارتفعت السعة التشغيلية لمراكز البيانات في السعودية من 68 ميغاواط عام 2021 إلى 467 ميغاواط في الربع الأول من 2026، بالتزامن مع توسع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. لكن القيمة الاقتصادية لهذه المراكز لا تتحدد بحجمها وحده، بل بقدرتها على تمكين الشركات، وزيادة الإنتاجية، وتطوير خدمات ومنتجات رقمية جديدة.
من غرف الخوادم إلى بنية اقتصادية
عندما نستخدم تطبيقًا مصرفيًا، أو نشتري منتجًا عبر الإنترنت، أو نستعين بأداة للذكاء الاصطناعي، فإن جزءًا من العملية يجري داخل مركز بيانات قد يبعد عنا مئات الكيلومترات.
هذه المراكز ليست مجرد أماكن لحفظ الملفات، بل منشآت تضم خوادم وأجهزة اتصال وأنظمة كهرباء وتبريد، وتتيح تشغيل التطبيقات ومعالجة المعلومات على مدار الساعة.
ومع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على تشغيل هذه المراكز بكفاءة عنصرًا مهمًا في المنافسة الاقتصادية؛ لأنها تؤثر في تكلفة الخدمات الرقمية وسرعتها وإمكانية تطويرها محليًا.
ماذا تقول الأرقام السعودية؟
ارتفعت السعة التشغيلية لمراكز البيانات في المملكة من 68 ميغاواط عام 2021 إلى 440 ميغاواط عام 2025، ثم بلغت 467 ميغاواط في الربع الأول من 2026.
وبذلك أصبحت السعة المعلنة تعادل نحو 6.9 أضعاف مستواها في عام 2021.
كما تضم المملكة أكثر من 60 مركز بيانات طورتها أكثر من 20 شركة، فيما تجاوزت الاستثمارات المعلنة في القطاع 16 مليار ريال منذ إطلاق رؤية السعودية 2030.
وتعكس هذه الأرقام توسع البنية التحتية الرقمية، لكنها لا تعني بالضرورة زيادة مماثلة في الإيرادات أو الإنتاجية؛ فالسعة المتاحة تختلف عن مقدار استخدامها والعائد المتحقق منها.
لماذا تُقاس مراكز البيانات بالميغاواط؟
الميغاواط وحدة لقياس القدرة الكهربائية، ويعادل مليون واط.
وعندما يقال إن سعة مركز بيانات تبلغ 100 ميغاواط، فإن المقصود مقياس لقدرة الطاقة التي يمكن أن يدعمها المركز وفق التعريف المستخدم في القياس.
وقد يشير الرقم إلى القدرة المخصصة للمعدات التقنية أو إلى القدرة الكهربائية الأوسع للمنشأة، ولهذا ينبغي الانتباه إلى طريقة احتسابه عند مقارنة المشروعات.
لكن القدرة الكهربائية لا تساوي القدرة الحوسبية مباشرة.
فمركزان يمتلكان السعة الكهربائية نفسها قد يختلفان في عدد العمليات التي يستطيعان تنفيذها؛ تبعًا لنوعية المعالجات، وكفاءة الأجهزة، والتبريد، وطبيعة التطبيقات المستخدمة.
ولهذا فإن ارتفاع السعة بالميغاواط يدل على توسع البنية التحتية، لكنه لا يكفي وحده لمعرفة حجم الإنتاج الحوسبي الفعلي.
لماذا أصبحت السعودية سوقًا جاذبة؟
في مارس 2026، نشر BloombergNEF تحليلًا لأسواق مراكز البيانات، أظهر أهمية توافر الكهرباء والأراضي المناسبة لإقامة هذه المشروعات.
وشكّل العاملان معًا 58% من الوزن المستخدم في تقييم جاذبية الأسواق.
وجاءت السعودية ضمن أبرز الأسواق في التحليل، مدعومة بتوافر مقومات التوسع في الطاقة والأراضي.
وهذا التصنيف لا يقيس عدد مراكز البيانات القائمة أو حجم إيراداتها، بل مدى ملاءمة السوق لتطوير مشروعات جديدة.
وتبرز أهمية ذلك لأن مراكز البيانات تتطلب استثمارات كبيرة قبل تشغيلها؛ بدءًا من المباني والشبكات الكهربائية، وصولًا إلى المعدات وأنظمة التبريد والاتصال.
وكلما توفرت هذه المقومات بكفاءة وتكلفة تنافسية، تحسنت فرص استقطاب المستثمرين ومشغلي الخدمات الرقمية.
كيف تتحول مراكز البيانات إلى قيمة اقتصادية؟
يمكن فهم أثرها عبر ثلاثة مسارات.
أولًا: تمكين الاقتصاد الرقمي. تتيح مراكز البيانات تشغيل الخدمات السحابية، التي تسمح للشركات باستخدام برامج وقدرات تخزين ومعالجة عبر الإنترنت، بدلًا من شراء جميع الأجهزة وتشغيلها داخل مقراتها.
وهذا قد يخفض تكلفة بدء الأعمال التقنية، ويساعد الشركات الصغيرة على الوصول إلى أدوات كانت تتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة.
ثانيًا: دعم الذكاء الاصطناعي والصناعة. تحتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى معالجة كميات كبيرة من البيانات. ويمكن للشركات الصناعية استخدام هذه التطبيقات في مراقبة المعدات، والتنبؤ بالأعطال، وتحسين إدارة المخزون.
فمثلًا، إذا استطاع مصنع اكتشاف مؤشرات تعطل إحدى آلاته قبل توقفها، فقد يقلل فترات انقطاع الإنتاج وتكاليف الصيانة.
لكن هذه الفائدة لا تتحقق بمجرد إنشاء مركز بيانات؛ بل تتطلب تطبيقات مناسبة وبيانات موثوقة وكفاءات قادرة على استخدامها.
ثالثًا: إنشاء أعمال وخدمات جديدة. يمكن للبنية الحوسبية أن تساعد المطورين والشركات المحلية على إنتاج برامج وحلول رقمية قابلة للبيع داخل المملكة وخارجها.
وهنا تتجاوز القيمة الاقتصادية الإنفاق على إنشاء المراكز وتشغيلها، لتشمل إيرادات المنتجات والخدمات التي تستخدم بنيتها التحتية.
من 467 ميغاواط إلى الغيغاواط.. ماذا عن الخطط المقبلة؟
الغيغاواط يساوي ألف ميغاواط.
ومع التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركات تعمل في المملكة خططًا لبناء قدرات أكبر بكثير من السعات التشغيلية الحالية.
ومن أبرزها شركة «هيوماين»، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، التي تضمنت خططها المعلنة تطوير سعة تقارب 1.9 غيغاواط بحلول 2030، ترتفع إلى 6.6 غيغاواط بحلول 2034.
وهذه أرقام مستهدفة ضمن خطط الشركة، وليست سعات تشغيلية أنجزت بالفعل، ولا يجوز جمعها آليًا مع المشروعات الأخرى دون التأكد من عدم تداخلها.
هل يكفي التمويل لبناء هذه المراكز؟
تتطلب مراكز البيانات استثمارات مرتفعة في الإنشاء والتجهيز، إلى جانب توفير الكهرباء وأنظمة التبريد والاتصال.
وفي أغسطس 2026، قدّرت شركة الاستشارات Alvarez & Marsal أن تنفيذ سيناريو يشمل تشغيل ما يقارب نصف القدرات المعلنة في مشروعات القطاع بحلول 2030 قد يتطلب إنفاقًا رأسماليًا يتراوح بين 28 و42 مليار دولار.
وهذا تقدير مشروط بتحقق سيناريو التوسع، وليس مبلغًا استُثمر بالفعل أو قيمة قروض يتعين توفيرها بالكامل.
كما أن توفير التمويل لا يضمن نجاح المشروع؛ إذ يحتاج المستثمر إلى طلب تجاري فعلي، وعقود تضمن إيرادات مستقبلية، وقدرة على تشغيل المركز بكفاءة.
أين تكمن التحديات؟
مع توسع مراكز البيانات، تزداد أهمية إدارة استهلاك الكهرباء والتبريد، خصوصًا مع ارتفاع متطلبات أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتبرز أيضًا تحديات تأمين المعالجات المتقدمة، وتوفير الكفاءات المتخصصة، وحماية البيانات، واستقطاب العملاء الذين يستطيعون استخدام القدرات الجديدة بصورة اقتصادية مجدية.
فإذا توسعت السعات التشغيلية بسرعة أكبر من الطلب الفعلي، فقد تتحمل الشركات تكاليف منشآت ومعدات لا تحقق الاستفادة التجارية المتوقعة.
وفي المقابل، قد تحد محدودية السعة من قدرة الشركات على تطوير خدمات جديدة أو التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لذلك لا تُقاس كفاءة القطاع بحجم السعة وحده، بل بمدى استخدامها وتكلفتها وجودة الخدمات المقدمة من خلالها.
متى تصبح البيانات مصدرًا للثروة؟
يمكن تشبيه مراكز البيانات بالموانئ.
فإنشاء ميناء جديد يرفع القدرة على استقبال السفن والبضائع، لكنه لا يضمن زيادة التجارة أو الأرباح ما لم تستخدمه الشركات وتستفد منه الأنشطة الاقتصادية.
وبالمثل، فإن إنشاء مراكز بيانات جديدة يمنح الاقتصاد بنية تقنية متقدمة، لكن القيمة تتحقق عندما تستخدمها المصانع والمصارف والشركات والمطورون لخفض التكاليف، وتحسين الإنتاجية، وتقديم خدمات ومنتجات جديدة.
وهنا يكمن السؤال الأهم: هل تنجح السعودية في تحويل التوسع في مراكز البيانات إلى نمو في الشركات والمهارات والمنتجات الرقمية المحلية؟
فالعبرة ليست بعدد الخوادم التي تُشغَّل، بل بما يُنتَج باستخدامها.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!