تخيّل أنك فتحت شاشة السوق السعودي صباحًا، فوجدت سهم شركة تعرفها جيدًا يهبط بقوة.
الأخبار تمتلئ بالقلق، اللون الأحمر يسيطر على الشاشة، والمستثمرون يتساءلون: هل أبيع قبل أن ينخفض أكثر؟
هنا ربما كان وارن بافيت سيبدأ بسؤال مختلف:
هل انخفض سعر السهم فقط.. أم انخفضت قيمة الشركة فعلًا؟
هذه الفكرة هي جوهر أحد أشهر الدروس في عالم الاستثمار، والمعروف باسم «السيد سوق» (Mr. Market).
تخيل السوق شخصًا متقلب المزاج
طرح المستثمر الأميركي بنجامين جراهام، أستاذ وارن بافيت، فكرة بسيطة:
تخيّل أن لديك شريكًا في شركة يأتي إليك كل صباح ويعرض عليك شراء حصتك أو بيعك حصته.
لكن مزاجه يتغير باستمرار.
في يوم يكون شديد التفاؤل فيطلب سعرًا مرتفعًا جدًا، وفي يوم آخر يصاب بالخوف ويقبل بسعر منخفض.
الشركة نفسها قد لا تكون تغيرت كثيرًا.
الذي تغير هو مزاج الشريك.
هذا الشريك هو «السيد سوق».
وفي سوق الأسهم يحدث شيء قريب من ذلك. قد ترتفع الأسعار بسبب التفاؤل، وتهبط بسبب الخوف، بينما لا تتغير الأعمال الحقيقية للشركة بالسرعة نفسها.
هنا يظهر الفرق بين السعر والقيمة
في «تاسي» مثلًا، قد تعلن شركة أرباحًا جيدة ومع ذلك ينخفض سهمها.
وقد يرتفع سهم شركة أخرى رغم أن نتائجها لم تتحسن بالقدر نفسه.
لأن سعر السهم لا يعكس نتائج الشركة وحدها، بل يتأثر أيضًا بتوقعات المستثمرين والخوف والطمع والأخبار ومستوى الأسعار الذي كان السوق يتوقعه أصلًا.
ولهذا يفرق المستثمرون بين مفهومين:
السعر: ما تدفعه مقابل السهم الآن.
القيمة: ما تعتقد أن الشركة تستحقه اقتصاديًا بناءً على أعمالها وأرباحها وقدرتها على النمو.
وهنا تبدأ الفكرة التي اشتهر بها بافيت.
ماذا فعل بافيت مع كوكاكولا؟
بعد اضطرابات الأسواق في 1987، بدأ بافيت شراء أسهم كوكاكولا في 1988.
لكنه لم يشترِ لمجرد أن الأسعار انخفضت.
كان ينظر إلى الشركة نفسها: علامة تجارية عالمية، منتج يباع في أسواق كثيرة، وأعمال تستطيع توليد أرباح على مدى سنوات.
بمعنى آخر، كان السؤال بالنسبة إليه أقل ارتباطًا بما حدث للسهم بالأمس، وأكثر ارتباطًا بما يمكن أن تصبح عليه الشركة بعد سنوات.
وهذا فرق مهم.
لأن هبوط السهم لا يعني تلقائيًا أنه فرصة.
قد يهبط لأن الشركة تواجه مشكلة حقيقية، أو لأن أرباحها تتراجع، أو لأن ديونها أصبحت مرتفعة.
لذلك لا يقول درس «السيد سوق»: اشترِ كل سهم هبط.
بل يقول:
لا تجعل حركة السعر وحدها هي التي تصنع رأيك في الشركة.
لو طبقت الفكرة على السوق السعودي
في المرة القادمة التي ترى فيها سهمًا في «تاسي» يهبط بقوة، لا تبدأ بالسؤال:
كم خسر السهم اليوم؟
ابدأ بأسئلة مختلفة:
هل تغيرت أرباح الشركة؟
هل تراجعت مبيعاتها؟
هل ارتفعت ديونها؟
هل ضعفت قدرتها على المنافسة؟
أم أن الذي تغير أساسًا هو مزاج السوق؟
هذه الأسئلة لا تعني أن السهم يستحق الشراء، لكنها تساعد على الفصل بين الشركة والشاشة التي تعرض سعرها.
وهنا ربما يكمن أهم درس في فكرة «السيد سوق»:
السوق يعرض عليك سعرًا كل يوم، لكنه لا يجبرك على الشراء أو البيع.
وقد تكون أفضل صفقة أحيانًا هي ألا تفعل شيئًا.
لأن اللون الأحمر على الشاشة يخبرك بما حدث للسعر.
أما معرفة ما حدث للقيمة، فتحتاج إلى أن تنظر إلى الشركة نفسها.
التعليقات (2)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!